الواقع المُحبط – لماذا يقتل بعض الآباء الكوريين أطفالهم الرضّع؟ أزمة الأطفال الأشباح

الإعلانات

شهدت كوريا الجنوبية مؤخراً ارتفاعاً مقلقاً في حالات “الأطفال الأشباح”، وذلك بعد أن بدأت السلطات المحلية تحقيقات معمّقة في قضايا الأطفال غير المسجلين. ومع كل قضية يتم حلها، تتكشّف فظائع لا يمكن تصورها يقترفها بعض الآباء، الأمر الذي أصاب البلاد بالصدمة.

الصورة مستخدمة لأغراض توضيحية فقط | iStockPhotos

في إحدى أبرز هذه القضايا، احتجزت وكالة شرطة العاصمة إنشيون امرأة في الأربعينيات من عمرها بتهم تتعلق بالتخلص من جثة ابنتها الرضيعة. ووفقاً لشهادة المرأة، توفيت الرضيعة في المنزل بعد يوم واحد من ولادتها، ودفنت الجثة في حديقة خضروات تعود ملكيتها لوالدتها عام 2016.

المتهمة وهي تغادر حديقة الخضروات في غيمبو بمقاطعة غيونغي، حيث يُزعم أنها تخلصت من جثة ابنتها التي لم يتجاوز عمرها يوماً واحداً في عام 2016 | Yonhap

في قضية أخرى، احتجزت الشرطة في يونغين بمقاطعة غيونغي في اليوم نفسه أباً وجدّةً للاشتباه في قتلهما رضيعاً حديث الولادة والتخلص من جثته عام 2015. ويُزعم أن الأب، وهو رجل في الأربعينيات من عمره، قتل ابنه الرضيع ودفن الجثة في تلة بمنطقة يونغين.

عناصر الشرطة يبحثون عن جثة الرضيع الذي يُشتبه في دفنه على تلة في يونغين | Yonhap

هاتان مجرد قضيتين من بين عدد هائل من القضايا المتعلقة بـ”الأطفال الأشباح” أو حديثي الولادة غير المسجلين، التي تم الكشف عنها بعد أن بدأ مجلس التدقيق والتفتيش (BAI) عمليات تدقيق صارمة لتتبع هؤلاء الأطفال من خلال السلطات المحلية. وفي عام 2023، أعلن المجلس أنه من بين 2.6 مليون طفل ولدوا بين عامي 2015 و2022، هناك نحو 2236 رضيعاً لا يوجد لهم أي سجل ولادة، الأمر الذي يصعّب على الحكومة التأكد مما إذا كانوا أحياءً أم أمواتاً.

تستقبل مراكز الشرطة المحلية كل يوم مئات البلاغات. ووفقاً لوكالة الشرطة الوطنية، فقد تلقت ما يصل إلى 664 بلاغاً في يوم واحد خلال عام 2023، ما يدل على مدى إلحاح هذه القضية.

لكن لماذا يقدم هذا العدد الكبير من الآباء في كوريا الجنوبية على قتل أطفالهم بهذا المعدل المخيف؟

رغم أن قتل الرضّع ليس ظاهرة تخص كوريا الجنوبية وحدها، إلا أن البنية الاجتماعية والسياسية التقليدية للبلاد تُعدّ عاملاً مساهماً بشكل كبير في انتشار هذه الظاهرة. ووفقاً لتقرير صادر عن صحيفة The Korea Herald، فإن أزمة “الأطفال الأشباح” تكشف عن عدة مشكلات جوهرية في البلاد، من بينها غياب السياسات الداعمة لرعاية الأطفال وانتشار المحظورات الاجتماعية المرتبطة بالأمومة.

أشار الباحثون إلى أن غياب التثقيف الجنسي السليم وصعوبة الوصول إلى وسائل منع الحمل يُعدّان العائق الأول في مكافحة قتل الرضّع في كوريا الجنوبية. يلي ذلك المحظور الاجتماعي المحيط بالأمهات العازبات. ووفقاً للبروفيسورة بارك ميونغ سوك (Park Myung Sook) من جامعة سانغجي، فإن هذه الفئة الديموغرافية مرتبطة بمعظم حالات قتل الرضّع. وإلى جانب الوصمة الاجتماعية، تُعدّ التكلفة المرتفعة لتربية الأطفال في كوريا الجنوبية أحد الأسباب الرئيسية أيضاً.

عامل رئيسي آخر في هذه الظاهرة يتمثل في صعوبة الوصول إلى خدمات الإجهاض. ففي أبريل 2019، حكمت المحكمة الدستورية بأن حظر الإجهاض، الذي كان معمولاً به منذ عام 1953، يخالف الدستور، مع السماح بالعقوبات وفقاً لظروف محددة. لكن عندما قدّمت حكومة مون جاي إن (Moon Jae In) مشروع قانون يقترح السماح بالإجهاض حتى الأسبوع الرابع عشر من الحمل، قوبل بمعارضة شرسة من قبل منظمات دينية نافذة، ولم يقرّه مجلس الأمة قط.

ويُقال إن غياب التشريعات المناسبة المتعلقة بالإجهاض أدى مباشرةً إلى ارتفاع اللجوء إلى حبوب الإجهاض والعمليات الجراحية التي يتم الحصول عليها أو إجراؤها عبر قنوات غير قانونية وغير خاضعة للرقابة، الأمر الذي يُعدّ من أبرز العوامل المساهمة في مأساة “الأطفال الأشباح”.

وعوضاً عن الاستجابة لهذه الآراء البحثية، اختار مجلس الأمة التركيز على تغيير السياسات المتعلقة بتسجيل المواليد لمواجهة الأزمة. فقد أقرّ في يونيو 2023 تعديلاً على قانون تسجيل العلاقات الأسرية، يُلزم العاملين في المؤسسات الطبية بإبلاغ السلطات المحلية بحديثي الولادة خلال 14 يوماً من الولادة.

غير أن هذه الخطة لاقت انتقادات واسعة من عدة جهات، رأت أنها ستزيد الأمور سوءاً بالنسبة للأمهات العازبات والنساء غير المتزوجات، إذ يخشين أن يؤثر تسجيل ولادتهن في النظام الحكومي سلباً على فرصهن في الحصول على وظيفة. ومع غياب أي حل قريب يلوح في الأفق، تستمر مأساة “الأطفال الأشباح” في كشف وجه قبيح من المجتمع — فهل المسألة وقاحة من الآباء، أم أنها فشل منظومي أعمق؟

المصدر: koreaboo

Exit mobile version