تمجيد التوتر في كوريا
التوتر هو حالة من القلق والاضطراب الذهني الناتجة عن المشاكل في الحياة والعمل وما إلى ذلك. أمر مزعج، أليس كذلك؟ ورغم أن التوتر بحد ذاته شيء غير مرغوب فيه على الإطلاق، إلا أنه يُنظر إليه على أنه أحد الآثار الجانبية للعمل الجاد، مما جعل التوتر في كوريا وسيلةً للتفاخر المُتواضع. يُقارن الناس أنفسهم بغيرهم، ويشعرون بالحرج، وحتمًا يسألون أنفسهم: “هل ينبغي أن أكون متوترًا أنا أيضًا؟”
لماذا يُمتدح التوتر؟
رغم أن العمل الجاد لا يضمن النجاح دائمًا، إلا أن المجتمع الكوري لا يزال يُركّز على أسلوب الحياة المُجهد والمزدحم باعتباره مفتاحًا لمستقبل مشرق. ففي ثقافة تتمحور حول العمل، يُعجَب الجميع بالعامل المُجتهد لتفانيه وشغفه، بينما قد يُساء فهم العامل الهادئ والمُتساهل ويُعدّ كسولًا أو غير كفؤ. ونتيجةً لذلك، يُعرَض التوتر في كوريا بفخر كأنه ندوب معركة، وهو طريقة غير مباشرة للتباهي بالانشغال.
بالنسبة للطلاب الكوريين، يُعدّ السهر طوال الليل وسامًا، ويُتباهى بنزيف الأنف الناتج عن الإرهاق كأنه ميدالية، لأن الإفراط في الدراسة دليل على أخلاقيات عمل جيدة وفرصة الالتحاق بجامعة مرموقة. ورغم أن الإفراط في العمل غير صحي، إلا أنه يُحظى بالإشادة، وخاصة في المجتمعات الشرقية. وتُقابَل أنباء إغماء المشاهير والعمال العاديين أو دخولهم المستشفى بصدمة علنية ثم بإعجاب خفي.
كيف يُعبَّر عن التوتر؟
يمكن أن يكون التذمر من التوتر صريحًا جدًا، مثل: “أشعر بالتوتر” (“나 스트레스 받아”)، لكنه قد يُعبَّر عنه أيضًا بطرق غامضة. ويُعدّ قلة النوم وسيلة شائعة لقياس مدى الاجتهاد والتوتر في كوريا. كل من أعرفهم في كوريا مذنبون بهذا (حتى أنا!). ورغم أن الإنتاجية لا ترتبط دائمًا بعدد ساعات العمل، يُقارن الناس مدى اجتهاد شخص ما بعدد ساعات راحته، فيقولون: “فلان لا ينام سوى ٣ ساعات في الليلة!”
كثيرًا ما يُستخدم التوتر أيضًا كذريعة عابرة لتبرير سلوكيات أخرى. فيقول الناس إنهم يُفرطون في الأكل لأنهم متوترون، أو يشربون الكحول لأنهم متوترون، أو يفعلون أي شيء كحجة للتنفيس عن أنفسهم (“스트레스 풀어야지”). قد يكون هذا غير ضار للكثيرين، لكنه قد يُؤدي عند البعض إلى دورة إدمانية، فيصبح الناس بحاجة إلى التوتر كذريعة للاستمرار في عاداتهم.
عندما يُستخدم التوتر مبررًا لسلوك معين أو لتجنّب صعوبات أخرى، تنشأ علاقة سامة بالتوتر. التوتر؛ لا يمكن العيش معه، ولا يمكن العيش بدونه.
التوازن الدقيق
كيف يُعقَل أن يُتذمَّر باستمرار من التوتر في كوريا بطريقة عابرة، بينما لا يتفاخر أحد بالجانب المظلم منه؛ الانتحار، الاكتئاب، نوبات الهلع والقلق. إن وضع ظهر اليد على الجبين والتأوّه من الإرهاق يبدو شبه أنيقٍ مقارنةً بانهيار جسدي ونفسي حقيقي. حتى الأشخاص الذين يتلقّون أدوية ويرقدون في أسرّة المستشفيات وأذرعهم موصولة بأنبوب التغذية الوريدية يُقابَلون بالتصفيق والتعاطف، في حين أن تشخيص مشكلة في الصحة النفسية يُقابَل بالوصمة والحرج.
إن القدرة على النجاة من جدول مزدحم تُكافأ وتُمدَح؛ فالقدرة على التأقلم مع مثل هذا النمط من الحياة تجعلك تبدو مقاتلًا. هل هذه منافسة على من يشعر بأكبر قدر من الإرهاق دون الوصول إلى حافة الانهيار؟
أن تكون سعيدًا وصحيحًا ومتمتعًا بأخلاقيات عمل طبيعية أمرٌ جيد، لكنه لا يحظى بالإعجاب بقدر ما يحظى به الأشخاص المنشغلون والمتوترون. يجب أن نُنزِل الإفراط في الجهد عن منصته، وأن نتوقّف عن افتراض أن التوتر والانشغال يمنحان الحياة قيمةً ومعنى. إن الحفاظ على توازن التوتر، دون الإفراط فيه، لُعبةٌ صعبة وخطيرة تُلعَب على حساب الصحة العاطفية.
المصدر: 10mag
