إذا كانت نيويورك هي المدينة التي لا تنام، فإن سيول هي المدينة المصابة بأرق مزمن. فمع كون كل شيء تقريباً مفتوحاً 24 ساعة في اليوم، طوال أيام الأسبوع، لا تتحقّق هذه الراحة المبالَغ فيها إلا بفضل المجتمع وثقافة العمل السريعة في البلاد. وفي الواقع، من أوائل العبارات التي يتعلّمها المقيمون الأجانب عند وصولهم عبارة «بالّي بالّي» (ppalli ppalli)، التي تعني «بسرعة بسرعة». لكن رغم هذا الجانب السريع من المجتمع الكوري، قد يشعر من يعيشون ويعملون ضمن هذه الثقافة بعدم الرضا أحياناً، على الرغم من الجهود المضنية التي يبذلونها.
سوهواكهاينغ
ولذلك فإن «سوهواكهاينغ» (소확행) هو اتّجاه يمنح الناس «سعادة صغيرة لكنها مؤكّدة»، وهو أيضاً ما يعنيه المصطلح تقريباً عند ترجمته.
لا تشير كلمة «سوهواكهاينغ» إلى شدّة السعادة التي تختبرها، بل إلى صِغرها مع كونها مؤكّدة. وقد طرح هذا المفهوم لأول مرة عام 1986 الكاتب الياباني هاروكي موراكامي، في مقالته عن فلسفة «السعادة الصغيرة لكن المؤكّدة» المعنونة «بعد ظهر في جزر لانغرهانس». فجري في الصباح، أو مكالمة إيقاظ من شخص تحبّه، أو مجرّد مشاهدة مسلسلك المفضّل على نتفليكس قبل النوم: هذه هي الأشياء التي تمنحك «سعادة صغيرة لكنها مؤكّدة» في حياتك اليومية.
قد لا يجد الناس أحياناً فرصةً للراحة بسبب جداولهم المزدحمة. فإذا كنت متوتّراً، تبدو لحظة راحة قصيرة وفرحة مؤكّدة في محلّها تماماً. إنه وقتك لتأخذ نفساً عميقاً وتريح عقلك لبرهة. كما أنه إذا شعرت بافتقاد مكافأة في حياتك، فقد يكون هذا بديلك عنها. فبدلاً من سعادة كبيرة لكنها غير مؤكّدة، يشعر الناس بالرضا بفضل «سوهواكهاينغ» الخاص بهم. ولذلك فهو وسيلة رائعة لإيجاد توازن وسط أجواء كوريا السريعة.
إذا بحثت عن وسم #소확행 («sohwakhaeng») على إنستغرام، ستلاحظ شعبيته على الفور — إذ يتجاوز عدد المنشورات حتى الآن 57,000 منشور. وتُعرف صاحبة حساب إنستغرام «Salguzzam» بنشرها صور الطعام، وتحصل دائماً على مئات الإعجابات خلال ساعات من نشر صورة «سوهواكهاينغ». وبالنظر إلى التفاعل على إنستغرام، يبدو أن فكرة لحظة سعادة صغيرة لكن مضمونة تحظى بجاذبية كبيرة بين الكوريين في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، ولهذا يرغبون في اتّباع هذه العقلية.
https://www.instagram.com/p/Bl68NCfA4LF/?utm_source=ig_web_copy_link
يقول أحد تعليقاتها: «في الصباح، وأنا آكل عصيدة المحار التي أعدّتها لي حماتي، أشعر بالسعادة. لم أتذوّق بعد مربّى المشمش، لكنني أنهيت وعاء العصيدة كاملاً بمفردي #ألا_تشبعك_مجرّد_رؤيتي_آكل». وفي كل مرة، تنال Salguzzam سعادتها الصغيرة بمجرّد تناول وجبة بسيطة تعدّها بنفسها بإخلاص.
ويقول سيو سانغ وون، موظّف مكتب يبلغ 25 عاماً، لمجلة 10 Magazine: «بالنسبة لي، أصبح ´سوهواكهاينغ´ نوعاً من البديل لـ´YOLO´، لكن من دون أن يكون متطرّفاً». ثم مازح قائلاً: «أجد سعادتي الصغيرة عندما يجمع مديري أغراضه استعداداً للعودة إلى المنزل».
لكن هل فلسفة «أنت تعيش مرة واحدة فقط» (YOLO) الطائشة مشابهة فعلاً لفكرة «السعادة الصغيرة لكن المؤكّدة»؟
ترى الطالبة وو سي يون، البالغة 22 عاماً، أن الإجابة نعم. وقالت: «بالنسبة لي، ´سوهواكهاينغ´ و´YOLO´ متشابهان جداً، لأن كليهما يدعونا إلى الاستمتاع باللحظة».
غير أن معظم منشورات «سوهواكهاينغ» تعرض نوعاً من الطعام أو الشراب، في حين كان «YOLO» يُستخدم غالباً لمنشورات السفر أو الأنشطة. فمع «YOLO»، أراد الناس أن «يعيشوا اللحظة» بتهوّر ولا مبالاة. وعلى وسائل التواصل خاصةً، استُخدم «YOLO» لأمور أكثر إثارة قد تُعتبر أحياناً طائشة أو حتى خطيرة بعض الشيء. أما «سوهواكهاينغ» فيتعلّق بتعديل عقليتك للاستمتاع باللحظات اليومية التي تعيشها أصلاً كل يوم.
وتحبّ كيم تاي هي، موظّفة مكتب كورية في الثلاثينيات، مفهوم «سوهواكهاينغ» لأنه «بسيط وعادي»، ويمنحها شعوراً بالسعادة دون الحاجة إلى «الكثير من المال أو الذهب».
أما لي كا يون، فهي متدرّبة مجتهدة في العشرينيات من عمرها. وحتى في أيام العطل، تبذل جهداً لبيع الأثاث لشركتها. وإيجاد «سوهواكهاينغ» مهمّ جداً بالنسبة لها، إذ تدرك: «من دون قليل من السعادة في حياتي اليومية، لما استطعت تحمّل كل هذا التوتّر».
وعلى ما يبدو، التقطت فرق التسويق في كوريا هذا الاتّجاه. فشركة IKEA كوريا، على سبيل المثال، قدّمت توصيل «صندوق حفلة المنزل» (Home Party Box) الذي يضمّ 14 عنصراً مختلفاً للطهي أو التزيين أو التقديم، مباشرةً إلى عنوانك. وكان شعار الصندوق: «الكمال ليس ضرورياً، تشاركوا وقتاً لذيذاً معاً». وقد وفّر هذا المفهوم وسيلة سهلة لجعل منزلك مكاناً اجتماعياً تتشارك فيه لحظات محبّة وممتعة مع الأصدقاء والعائلة.
إن الرغبة المتنامية في شيء مثل «سوهواكهاينغ» شائعة جداً في المجتمع الكوري لدرجة أنها أُدرجت حتى في فيلم كوري شهير يُدعى «الغابة الصغيرة» (Little Forest). ويدور الفيلم حول هيي وون، شابّة لا تستطيع التعامل مع مشاكلها أثناء عيشها في مدينة كبيرة. وبعودتها إلى مسقط رأسها الريفي، تبدأ جراحها بالاندمال في النهاية بمساعدة أصدقاء الطفولة، والطبخ، وتقدير الطبيعة. وبعد طرحه في أواخر فبراير، استقطب هذا الإنتاج المنخفض الميزانية أكثر من مليون مشاهد خلال عشرة أيام.
ليست فلسفة «سوهواكهاينغ» اتّجاهاً في كوريا من دون سبب. فالناس يقدّرون هذا المفهوم لأنهم يعيشون في هذا البلد السريع ويعملون بجدّ باستمرار لمواكبة الآخرين. وإذا شعروا أنهم لم يحقّقوا النجاح الذي سعوا إليه، فعلى الأقل يمكن أن يكون هذا عزاءهم وسعادتهم الصغيرة المؤكّدة. فجرعة قهوة إضافية في طريقك إلى العمل، أو فطيرة الإفطار بطبقة مضاعفة من الكريمة المخفوقة: أياً كان، فهو يساعد الناس على الهروب من الحياة اليومية للحظة والاستمتاع بالأشياء الصغيرة بدلاً من ذلك.
المصدر: 10mag