الثقافة الأسياوية

التاريخ الكوري: الإمبراطورة الأمريكية إميلي براون وأسطورة لم تحدث

التاريخ الكوري: الإمبراطورة الأمريكية


الصور من مجموعة روبرت نيف (Robert Neff Collection)

King Gojong, 1883-1884, Korean, King, Chosun, era, Robert Neff Collection, Robert Neff
الملك غوجونغ (King Gojong) 1883-1884

كان من المعتقد على نطاق واسع أن كوريا بلد متجانس عرقياً، لكن هذه الفكرة تبدّدت إلى حد كبير، ليس فقط بسبب الأعداد الكبيرة من المهاجرين الذين يصلون إلى كوريا كل عام، بل أيضاً بفضل اكتشافات تاريخها.

ولعلّ من أغرب الحكايات التاريخية، حكاية زواج الإمبراطور غوجونغ (Gojong) من إميلي براون (Emily Brown)، وهي مبشّرة أمريكية. ففي عام 1903، امتلأت الصحف الأمريكية بأخبار هذا الحدث غير المتوقّع، بما في ذلك سيرة العروس. وقد كتبت إحدى صحف مدينة آبلتون في ولاية ويسكونسن، والتي سرعان ما اقتبستها صحف أخرى، بفخر:

“في يناير الماضي احتفل [غوجونغ]، إمبراطور كوريا، بالذكرى الأربعين لاعتلائه العرش، وفي اليوم نفسه تُوّجت امرأة أمريكية جميلة، تُدعى إميلي براون (Emily Brown)، ابنة القس هربرت براون (Rev. Herbert Brown)، أحد المبشّرين، والتي كانت لفترة طويلة نجمة حريم الإمبراطور، إمبراطورةً لكوريا، وأُعلن ابنها وريثاً للعرش. وحتى وقت تتويجها، كانت إميلي براون تُعرف بليدي إميلي (Lady Emily). والآن، أصبحت الإمبراطورة أوم (Empress Om)، وهو اسم يعني بالإنجليزية ‘فجر الصباح’.

“وُلدت إميلي براون في آبلتون بولاية ويسكونسن نحو عام 1860، وكان والدها القس هربرت براون مبشّراً مشيخياً متجوّلاً، لم يقم هنا سوى أشهر قليلة، أما والدتها فكانت امرأة بارعة الجمال. وعندما بلغت إميلي الخامسة عشرة من عمرها، توجّه والدها مبشّراً إلى كوريا، ويُقال إنه كان أول مبشّر بروتستانتي يستقر في عاصمتها سيول. ورافقته زوجته وابنته. كانت إميلي تنشد في كنيسة الإرسالية، وتعلّمت اللغة الكورية بسرعة، فأصبحت تُستخدم كمترجمة في تعاملات الكنيسة مع الحكومة.

“بلغت أنباء جمالها إلى مسامع الإمبراطور، فأمر بإدخالها إلى حريمه، لكنها رفضت ذلك بإباء. وبعد نحو عامين، قبلت إميلي حماية الإمبراطور وذهبت إلى القصر، بعدما حصلت منه على وعد رسمي بالزواج حين تسمح شؤون الدولة بذلك.”

american empress
صحيفة بوسطن صنداي بوست (The Boston Sunday Post)، 29 نوفمبر 1903.

“وقد كان هذا الوعد، ولسنوات قبل زواجها، كانت المفضّلة وموضع ثقة الإمبراطور، والآن أصبحت إمبراطورةً بالاسم بعد أن كانت كذلك فعلياً لسنوات طويلة، وقد اعتُرف بابنها وريثاً ظاهرياً للعرش الكوري.”

صحف أخرى، مثل بوسطن صنداي بوست (Boston Sunday Post)، اعترضت على مكان ولادة إميلي براون، إذ ادّعى البعض أنه ولاية أوهايو، لكنها جميعاً اتفقت على أن الزفاف كان فخماً، ووصفته بتفصيل شديد:

“عند مدخل القصر، اصطف عدد كبير من الحرس الإمبراطوري، مسلّحين بفؤوس مثبّتة في أطراف العصي، لمنع الحشود من الاقتراب أكثر من اللازم. وعلى طول مسار الموكب المُقترح، نُصبت حراسات مماثلة. وفي الشوارع الضيّقة المحيطة بالقصر، انتظر جيش الإمبراطور إشارة الانطلاق.

“وأخيراً أُعطيت الإشارة. وعلى رأس الموكب سار جنرالات الجيش وأكثر الفرق تفضيلاً. وحين عبر ألف جندي أو يزيد، صدحت الأبواق، وفُتحت أبواب القصر على مصراعيها، وخرج حرس الإمبراطور بخوذات لامعة ودروع تعود إلى خمسمئة سنة خلت.

“تلا الحرس الخدم بالحرير المتلألئ والريش المتمايل. وفي النهاية، وسط ضجيج طبول يصمّ الآذان، ظهرت كرسيّان. في إحداهما جلس الإمبراطور [غوجونغ]، وفي الأخرى إميلي براون (Emily Brown)، إمبراطورة كوريا. لم يحدث من قبل أن ارتدى كائن متحضّر مثلما ارتدت. فمن رأسها إلى قدميها، كانت مغطاة بالجواهر والحرير بسماكة جعلتها تتدلّى كقماش صوفي ثقيل.

“وفوق الكرسيين الملكيين، ارتفعت راية تحمل تنّيناً طائراً بطول أربعة عشر قدماً. وتحت الراية، انتصبت مظلّة حمراء ضخمة، تشير إلى الناس بأن ملكهم قد أشرك المرأة التي إلى جانبه في سلطته وعرشه.”

لكن الإمبراطور غوجونغ لم يكن الأمير الكوري الوحيد الذي افتُتن بالنساء الأمريكيات. فابنه الخامس، الأمير أيوي هوا (Prince Euihwa)، كان يدرس في الولايات المتحدة، ورغم كونه متزوّجاً، يُزعم أنه تقدّم بالزواج من عدد من الجميلات الأمريكيات. وسرعان ما امتلأت السفارة الأمريكية في سيول برسائل من فتيات أمريكيات يتمنّين الزواج من نبيل كوري، فكانت هذه أوّل موجة هاليو (Hallyu) كورية.

لكن لقب الإمبراطورة لم يكن أمراً سهلاً، وكانت إميلي براون امرأة ذات قناعات راسخة. تحوّلت الروايات الخرافية بمرور الوقت إلى قصص قاتمة، تلوّح بمحاولات اغتيال محتملة، لكن إميلي تجاوزتها جميعاً. غير أن حياتها المُترفة انتهت عام 1907 حين تنازل الإمبراطور غوجونغ عن عرشه لابنه الرابع، ولي العهد الأمير سون جونغ (Crown Prince Sunjong)، وأُخرجت إميلي من القصر ممتطية حماراً. ثم تُوفّيت لاحقاً عام 1912، وكانت ميتتها مهينة إلى حد ما.

بطبيعة الحال، لم يحدث أي من هذا في الواقع. ومن المدهش أنه رغم الإنكار القاطع من الأشخاص الذين كان من المفترض أن يعرفوا الحقيقة (الوزير الأمريكي في كوريا، ومستشارو الحكومة الكورية، والمبشّرون المقيمون في كوريا)، ظلّت القصة تنتشر طوال هذه المدّة.

وكما هناك روايات عديدة لهذه القصة، فإن المصادر المتضاربة لأصلها كثيرة أيضاً. يحمّل بعضهم مبشّراً في اليابان مسؤولية بعض الروايات، فيما يحمّل آخرون صحفياً في صحيفة “نيفي فرايي بريسي” (Neve Freie Presse) النمساوية المسؤولية. أما ويليام فرانكلين ساندز (William Franklin Sands)، المستشار الأمريكي للحكومة الكورية، فقد ادّعى أن صحفياً في “إحدى الصحف الكبرى في نيويورك” كان في كوريا بانتظار خبر مثير ينقله، فـ”تعهّد بإثبات نظريته عن قوة الصحافة بصنع حادثة، نمت تحت تأثير كمية لا بأس بها من ويسكي كندي رديء الجودة”.

غير أن هناك كوريين تزوّجوا فعلاً من نساء غربيات. فمنهم سيو جاي بيل (Seo Jai-pil)، المعروف باسم فيليب جايسون (Philip Jaisohn)، الذي أسّس أول صحيفة كورية باللغة الهانغول (Hangeul) والإنجليزية، وهي “ذي إندبندنت” (The Independent). وقد تزوّج من موريل أرمسترونغ (Muriel Armstrong) الأمريكية، وأحضرها معه إلى كوريا حيث عاشا فيها لمدة عامين قبل أن يعودا إلى الولايات المتحدة.

ولعلّ أشهر شخصية كورية من الماضي تزوّجت من غربية هو أول رؤساء كوريا الجنوبية، سينغمان ري (Syngman Rhee)، الذي تزوّج عام 1934 من فرانتسيسكا دونر (Franziska Donner) النمساوية. وعلى غرار شخصية إميلي براون الخيالية، كانت حياة فرانتسيسكا حافلة بالمغامرات والأحزان العظيمة. فبعد وفاة زوجها، عادت إلى النمسا، لكنها لم تمكث هناك سوى خمس سنوات قبل أن تعود إلى وطنها بالتبنّي كوريا عام 1970، حيث قضت بقية حياتها حتى وفاتها عام 1992. وقد كانت، ربما، “فجر هدوء الصباح” الحقيقي.

المصدر: 10mag

عبد الرحمن ناصر

عبد الرحمن البالغ من العمر 21 سنة مهتم بتصميم و تطوير المواقع و أيضا مهتم بالبرمجة و الحماية و أيضا له أهتمام كبير بكوريا و بثقافتها ويتمنى أن يزرها يوما ما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى