الثقافة الأسياوية

كشف خفايا صناعة صناديق التبرّع بالملابس في كوريا

كوريا تغرق في الملابس…

…وعندما تفيض خزائن الكوريين، يلجؤون إلى حلٍّ يربح فيه الجميع بالتبرّع بالفائض في صناديق التبرّع الخضراء والبنّية والرمادية («의류수거함») المنتشرة في الأحياء بمدن أنحاء البلاد كافة. ويملؤها الكوريون والأجانب على حدّ سواء بالقمصان القديمة والأحذية، بل وحتى أغطية الأسرّة، فيشعرون بدفء وارتياح لقيامهم بعمل خيّر تجاه المحتاجين. غير أن كثيرين لا يزالون يجهلون أن محتويات هذه الصناديق كثيرًا ما لا ينتهي بها المطاف على أجساد العائلات الكورية.

clothes donation box
تصوير نيت رافرتي (Nate Rafferty)

بدأ النظام الحالي لصناديق التبرّع في أعقاب أزمة صندوق النقد الدولي في التسعينيات كجهد لمساعدة من هم في أشدّ الضائقة المالية. غير أنه لا توجد قواعد موحّدة للتطبيق والتشغيل، ففي سيول يتحمّل كل مكتب منطقة (غو-تشيونغ) مسؤولية سياسته الخاصة، وفي معظم الحالات لا تُدار هذه الصناديق مباشرةً من قِبل الحكومة المحلية.

وبدلًا من ذلك، تُكلَّف الجمعيات الخيرية وغيرها من المنظمات غير الربحية، فضلًا عن الشركات الربحية، بتشغيل الصناديق. لكن القواعد غالبًا متساهلة، ولا يُعرف من يدير بعضها. ونتيجةً لذلك، أصبحت صناديق التبرّع إلى حدّ كبير مشروعًا خاصًا تُباع فيه معظم الملابس المتبرَّع بها بالكيلوغرام في مناطق نامية كأفريقيا وجنوب شرق آسيا.

ووفقًا لممثّل عن مكتب منطقة سيوداي‍مون، فإن الصناديق الخمسمئة في منطقتهم جميعها تُدار من جهات خاصة، وتُصدَّر التبرّعات منها كلها إلى الخارج. وأخبر ممثّل عن منطقة مابو موقع 10 Magazine بأن مكتب منطقتهم لا علاقة له إطلاقًا بالصناديق، ومن ثمّ لم يستطع التعليق على مصير التبرّعات. وبالنظر إلى غياب التنظيم المركزي، فلا شكّ أن الحال مماثلة في بقية أنحاء سيول.

ووفقًا لـتقرير في صحيفة جامعة سيول الوطنية (The Seoul Journal)، فإن بعض الصناديق لا تحمل أي معلومات تعريفية على الإطلاق. ولم تُسفر الاتصالات التي أجراها موقع 10 Magazine بأرقام مدوّنة على عدة صناديق إلا عن رسائل آلية تفيد بأن «الخدمة غير متوفّرة». بل إن كثيرًا من التجّار استعاروا بشكل غير قانوني أسماء جمعيات خيرية مرخّصة لتفادي تدقيق الحكومات المحلية.

وبصرف النظر عن تكاليف التشغيل، يجني هؤلاء التجّار الخواصّ ربحًا صافيًا من ملابس قُدِّمت مجانًا بنيّة مساعدة محدودي الدخل. والأسوأ أنه، بسبب تقلّبات أسعار الملابس المستعملة في الخارج، أُهمِل كثير من الصناديق وتداعت حالتها، فلم تعد تزيد على كونها أوعية قمامة تثير غضب سكان الأحياء.

بإذن من المراسل كيم بوم-سو (중앙일보)

إصلاحات مطلوبة

clothes donation box
تصوير نيت رافرتي (Nate Rafferty)

لكن كانت هناك بعض الجهود للتغيير. فقد وصف تقرير The Seoul Journal المذكور أعلاه جهود منطقة غواناك-غو عام 2012 لضبط الأعمال الغامضة لصناديق التبرّع. ووفقًا لقائد فرقة العمل المعنية بالملابس المستعملة جيون سيونغ-جين (Jeon Seung-Jin)، أُزيلت جميع الصناديق الربحية في غواناك-غو وثُبِّت نظام صناديق تديره منظمات خيرية.

وهناك الآن نحو 1500 صندوق في غواناك-غو، تديرها كلها منظمات غير ربحية. وقال جيون إن الملابس المستعملة تُفرَز في مركز تجميع بمقاطعة غيونغي-دو، حيث يُباع كثير منها لمنظمات تخدم المحتاجين، ويُباع الباقي لمصدّرين مرخّصين. ولا يزال هؤلاء المصدّرون يجنون ربحًا، لكن النظام شفّاف وخاضع للمساءلة على الأقل، وأرباح البيع لهؤلاء التجّار تعود إلى تشغيل الصناديق.

وكلّ هذا يعني أن النظام الحالي بأمسّ الحاجة إلى تحديث. وفي السنوات الأخيرة، أقرّت حكومة مدينة سيول بذلك وسط استياء عام متواصل من المظهر الرثّ الذي كثيرًا ما تخلقه الصناديق. ويمكن النظر إلى غواناك-غو كنموذج لكيفية المضيّ قُدمًا وجعل النظام أكثر شفافيةً ومسؤوليةً تجاه المجتمعات التي يعمل فيها، وهذه بداية جيدة.

ووفقًا لقائد فريق إعادة التدوير في سيوداي‍مون-غو جو غي-وون (Jo Gye-won)، ستصدر سيول عام 2019 حزمة لوائح على مستوى المدينة لإصلاح صناديق التبرّع. ولم تُعلَن أي تفاصيل بعد، ولم يتسنَّ الوصول إلى مسؤولي المدينة للتعليق.

أين يجب أن تذهب سُترتك الصوفية المضفّرة ذات الثلاث سنوات

هناك منظمات يمكنها المساعدة في ضمان وصول تبرّعاتك إلى المحتاجين في حيّك. فلدى «Goodwill Store (굿윌스토어)»، وهي جمعية خيرية أمريكية المنشأ، فروع في أنحاء سيول، ولا تقبل سوى التبرّعات المباشرة. والفرع القريب من محطة جيونغسان (الخط 6، سيوداي‍مون-غو) يقبل كل شيء، من الملابس وأغطية الأسرّة إلى الألعاب والأجهزة. ووفقًا لمدير الفرع، يُوثَّق كل غرض متبرَّع به بدقة، وتتوفّر إيصالات قابلة للخصم الضريبي.

وتُسعَّر منتجاتهم بما يلبّي احتياجات الأسر منخفضة الدخل، وتعود مئة في المئة من أرباحهم إلى تشغيل العمل. وإن لم تستطع الوصول إلى المتجر لتسليم تبرّعك، فسيأتون إليك لاستلامه (قائمة بأرقام اتصال مراكز التبرّع متوفّرة هنا، تحت بند «기증문의»). كما يوفّرون فرص عمل للاجئين من كوريا الشمالية ولذوي الإعاقة الذهنية أو الجسدية.

خيار آخر هو «Beautiful Store (아름다운가게)». وهي منظمة غير ربحية لا تقبل، كحال Goodwill Store، سوى التبرّعات المباشرة، ولها فروع في أنحاء سيول.

وهم أيضًا سيأتون إليك إن تعذّر عليك تسليم تبرّعك. وعلى غرار Goodwill Store، يبيعون منتجاتهم بسعر منخفض جدًا ويستخدمون كل الأرباح في تشغيل منظمتهم. ولدى Beautiful Store أيضًا نسخة إنجليزية من موقعها، وخيار تسجيل التبرّع عبر الإنترنت.

ملاحظة المحرّر: اقترح أحد القرّاء 옷캔 (Otcan)، وهي شركة أخرى تتولّى تبرّعات الملابس في كوريا. ومقرّها في دايجون، لكن يمكنك إرسال تبرّعاتك أو استخدام خدمة الاستلام لديها.

ليست مشكلة كورية وحسب

بحث سريع عبر الإنترنت يقودك إلى عشرات المقالات من حول العالم تفصّل عمليات احتيال أو شبه احتيال بصناديق Goodwill تخدع المتبرّعين أو تضلّلهم. صحيح أن بعض المنظمات الربحية وغير الربحية التي تجمع الملابس المستعملة تعيد بيعها لأسباب حسنة النية، لكن معظم الناس لا يزالون يجهلون للأسف أين ينتهي المطاف بتبرّعاتهم.

وفي عالم وفير ماديًا تتزايد فيه الرغبة في الأشياء الجديدة يوميًا، تتضخّم كمية الأشياء المستعملة بوتيرة استثنائية. إنها فرصة لفعل الخير، لكنها خلقت أيضًا سوقًا متخصّصة في تجارة الملابس يسهل استغلالها للربح. وإن كنت تسعى لمساعدة الناس في مجتمعك، فإن تجاوز الصناديق والتبرّع مباشرةً لمنظمة خيرية هو خيارك الأكثر أمانًا.

المصدر: 10mag

عبد الرحمن ناصر

مهتمٌّ بكل ما يخصّ كوريا، من الكيبوب والدراما إلى اللغة والثقافة. أكتب في «عالم كوريا» لأنقل آخر الأخبار وأشارك القارئ العربي شغفي بهذا العالم الآسيوي المدهش، بأسلوبٍ بسيطٍ وقريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى