
عش جزءاً من الماضي الحربي لكوريا من خلال زيارة قلعة جينجو (Jinju) وإطلالة على معارك الغزو الياباني في عام إيمجين.
كان ذلك في أواخر خريف عام 1592؛ كان المدافعون متفوّقاً عليهم عدداً بشكل بالغ، وقد نفدت ذخائرهم من الرصاص وقذائف المدافع والسهام التي يطلقونها على العدو المنهك أسفلهم. ومع اقتراب أبراج الحصار الضخمة من الجدران العالية لقلعة جينجو (Jinju Fortress)، بدأت مجموعة متباينة من الرهبان المحاربين، ورجال المقاومة غير المدرّبين، والجنرالات المهانين، الذين شكّلوا حامية المدينة، بإلقاء الحجارة، أو أي شيء ثقيل آخر، فوق الأسوار المحاصرة. وبقوة لا تتجاوز عُشر قوات الخصم، نجحت هذه المقاومة التي بدت ميؤوساً منها، بشكل مذهل، في إجبار 30,000 محارب ياباني على الفرار. ارتفعت معنويات مملكة جوسون (Joseon)… لكن لفترة وجيزة للغاية.
ورغم أن أعظم أبطال كوريا، يي سون-سين (Yi Sun-sin)، لقّن اليابانيين دروساً قاسية في فنون الحرب البحرية، فإن المعارك البرية في حرب إيمجين (Imjin War) بين عامي 1592 و1598 كانت أكثر قتامة بالنسبة لكوريا. فقد سقطت مدينة تلو الأخرى بسهولة في يد الحملة اليابانية الخاطفة، إلا أن مدينة جينجو ظلّت شوكة في خاصرة الساموراي.

للوهلة الأولى، لا توحي قلعة جينجو (Jinju Fortress)، القلب السياحي لهذه المدينة الصغيرة الواقعة في محافظة غيونغ سانغ الجنوبية، إلا بالقليل عن ماضيها العنيف. تقع القلعة على منحنى من نهر نام (Nam River) الواسع، يحيط بها الحضر، ولكنها على مرأى من الجبال الكثيفة الأشجار. والأجواء فيها هادئة بصورة لافتة. وتتخلّل الأشجار الطويلة والتلال العشبية والمساحات المفتوحة، معابد وأضرحة وأكشاك وبوابات خشبية ضخمة ومطاعم ومتحف وطني. ويُنصح بشدة بالتجوّل على طول الأسوار المرتفعة، مع إلقاء نظرة على النهر الكسول في الأسفل. اخلع حذاءك واستمتع بعروض الموسيقى والرقص التقليدية التي تُقام أحياناً.
يقف داخل البوابة الشمالية مباشرة تمثال للجنرال كيم سي-مين (Kim Si-min) الذي لا يُقهر. الجنرال البطل الذي صمد أمام الغزاة لعدة أيام، يستقبل الزوّار وهو يشير بهدف نحو الأسوار. ولا يقتصر الأمر عليه؛ إذ تنتشر في أرجاء القلعة تماثيل شمعية لجنود واقعية إلى حدّ مرعب أحياناً.
ونظراً للطبيعة المتقلّبة للتاريخ الكوري، فإن معظم ما تبقّى اليوم، إن لم يكن كلّه، قد أُعيد بناؤه في فترة ما بعد الحرب الكورية. في الواقع، كان نشوة انتصار جينجو العظيم عام 1592 قصيرة الأمد. فبعد تسعة أشهر، كان الغزاة اليابانيون ينسحبون عبر طريق دامٍ نحو سفنهم في الجنوب. لكن قبل بلوغ البحر، تمكّن قادة الساموراي بطريقة ما من تسوية الحساب مع جينجو المتمرّدة، حيث اخترقوا أسوار المدينة أخيراً في معركة ثانية. وإذا صحّت روايات تلك الفترة، فإن مياه نهر نام عند سفح القلعة لم تكن قادرة على تخفيف الدم الذي كان يتدفق من ساحة المعركة في الأعلى.
كان جناح تشوكسونغ نو (Chokseongnu Pavilion)، الواقع بمحاذاة جدران القلعة على حافة جرف، قاعدة قيادة مهمة في كلتا المعركتين. وفي أوقات السلم، كان هذا المبنى الجميل يُستخدم قاعةً لامتحانات الكونفوشيوسية.
وعلى مقربة منه، يقع ضريح مخصّص للشهيدة الكورية نونغ غاي (Nongae). فهنا، في “صخرة البر” (Uiam) أو “Rock of Righteousness“، أوقعت الكيسانغ (الفنانة المضيفة) المفجوعة جنرالاً يابانياً منتصراً بحيلة، وأغوته بين ذراعيها. وأمسكت بقوّة بكتفيه، لتقذف بنفسها وبه إلى النهر الدامي في الأسفل.
يقع في الجوار متحف جينجو الوطني (Jinju National Museum)، وهو مبنى غريب يحوي معارض للقطع التاريخية والثقافية. وبما أن جينجو تُذكر باعتبارها واحدة من “الانتصارات الكورية الكبرى الثلاثة في حرب إيمجين”، فإن الطابق الثاني من المتحف يركّز على القرن السادس عشر والمعارك التي خيضت هنا وفي البحر. لكن المتحف لا يقتصر على الحرب؛ إذ تركّز القطع الموجودة في الطابق الأول أكثر على التاريخ العام لمحافظة غيونغ سانغ الجنوبية. كما يضم المتحف مكتبة وقاعة محاضرات ومركزاً تعليمياً تفاعلياً، وقاعة سينما ثلاثية الأبعاد للزيارة. لمزيد من المعلومات عن المتحف والقلعة والفعاليات الأخرى التي تقام في جينجو، يمكنكم زيارة موقع المتحف jinju.museum.go.kr.
الكلمات بقلم بن كاولز (Ben Cowles)
المصدر: 10mag



