
قد يُفاجَأ كثير من القرّاء حين يعلمون أنه خلال الفترة الممتدّة من بداية الستينيات وحتى أوائل الثمانينيات، كانت ثمّة شركة أمريكية للتنقيب عن الذهب تعمل في كوريا. وقد لا يعلم بعضهم أصلاً أنه كان هناك تنقيب عن الذهب في كوريا الجنوبية. عُرفت تلك الشركة باسم “كوريا كونسوليديتد ماينينغ” (KCMC – Korean Consolidated Mining Co.)، وقد حصلت على أول تسجيل تُصدره الحكومة الكورية لشركة أجنبية بموجب قانون تشجيع الاستثمار الأجنبي.
كان مؤسّس الشركة هو ريتشارد س. ويتكوم (Richard S. Whitcom)، الذي كان يُلقَّب عادةً بـ”الجنرال” لكونه جنرالاً أمريكياً متقاعداً خدم في كوريا خلال الحرب الكورية.

تمتلك كوريا تاريخاً طويلاً في التنقيب عن الذهب، لكنه كان في معظمه عبارة عن مناجم رسوبية صغيرة. غير أن كل ذلك تغيّر في أواخر القرن التاسع عشر حين مُنحت امتيازات التنقيب عن الذهب لأجانب – وكان أكبرها من نصيب شركة “أورينتال كونسوليديتد ماينينغ” (Oriental Consolidated Mining Co.) الأمريكية في شمال كوريا. وكان يُقال إن الذهب موجود في كل مكان، حتى في نهر الهان (Han River).

كان “الجنرال” يحبّ ترديد عبارته الشهيرة: “تحتاج إلى الشجاعة لكسب المال؛ وتحتاج إلى المال للتنقيب”، لكن المال لم يكن كل ما يحتاج إليه – بل احتاج أيضاً إلى موظفين مدرَّبين. ولم تكن هناك ندرة في عمّال المناجم الكوريين المدرَّبين، لكن لم يكن هناك سوى عدد قليل من عمال المناجم الغربيين ذوي الخبرة للعمل مشرفين في مواقع التنقيب المختلفة.
وهكذا، حين طلب فريد داستن (Fred Dustin)، الأستاذ الأمريكي في جامعة تشونغ-آنغ (Chungang University) في سيول، والذي كان قد خدم أيضاً في الجيش خلال الحرب الكورية، عملاً من “الجنرال”، تمّ تعيينه فوراً وإرساله إلى منجم تونغ-سان (Tongsan Mine) في مقاطعة جولا الشمالية (North Jeolla Province).
كانت الحياة في المنجم مختلفة كلياً عن الحياة في سيول. فلكونه في الجبال، كان معزولاً تماماً. وكانت ثمّة قرية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها بضع مئات – في أحسن الأحوال – على مقربة منه، لكن قلّة منهم كانوا يتقنون أي قدر من الإنجليزية. وكان رفيق داستن الدائم كلباً أسود من نوع لابرادور أطلق عليه اسم “سان-يو” (Sanyo) أي “فتاة الجبل”، اشتراه بمبلغ ضخم آنذاك بلغ 300,000 هوان (462 دولاراً).

كانت الحياة في المنجم متقشّفة بعض الشيء. فعند وصوله أول مرة، لم تكن الكثير من البنى التحتية للمنجم قد شُيِّدت بعد، بما فيها مسكنه، فاضطرّ إلى البحث عن إقامة في منزل أحد القرويين، إلى أن أضاف غرفة نوم إلى مكتب المنجم في السنة التالية.
كان داستن يطبخ معظم طعامه بنفسه:

“في أغلب الأحيان، كانت وجبة الفطور بيضاً مقلياً أو مخفوقاً، ولحم خنزير مقدّد من متجر القاعدة العسكرية (PX)، وبسكويت بصودا الخبز أو ربما فطائر بانكيك مع القهوة؛ أما الغداء فكان عادةً راميون (ramyon)؛ والعشاء فقد يكون شواء لحم خنزير أو دجاج مشوي؛ أو ربما علبة لحم خنزير مع فاصولياء مع خبز محمّص”، يستعيد ذكرياته. ويُضيف أنه تقريباً كل أسبوع كان يُذبح خنزير في القرية، فيُهدى إليه جزء منه أو يُباع له. “كانت الدرنيات كالبطاطس والجزر متوفّرة دائماً، وكان أهل القرية يقدّمون لي على الدوام كيمتشي الملفوف الذي عرفوا أنني أطحنه قليلاً وأقليه على نار خفيفة.”
كان عمّال المناجم الكوريون، ومعظمهم يربط بينهم نسب، يكسبون 700 هوان (2.13 دولار) عن يوم عمل كامل (دون أي ساعات إضافية)، ويُدفع لهم نقداً كل أسبوعين. وكان أغلبهم يعيشون في القرية ويعتمدون على أنفسهم في تأمين قوتهم.
أحياناً كانوا يُكمّلون نظامهم الغذائي بحيوانات برّية. ففي الحقول القريبة من المنجم، كانوا يصطادون التدرّج البرّي والبط والجنادب (التي كانت تُقلى في زيت الطعام وكانت من الأطباق المفضّلة لدى داستن). كذلك كان الجدول المائي يوفّر وفرة من الطعام. ففي الصيف والخريف، كان جراد البحر يُصطاد ويُستخدم في إعداد الحساء. كما كان السمك يُصطاد أيضاً، لكن ليس بالخيط والصنّارة، بل بالديناميت.
أما من يمتلكون المال ولا يرغبون في الطبخ لأنفسهم، فقد كان هناك ثلاثة مطاعم صغيرة – من بينها مطعم صيني – تقدّم الطعام والكحول معاً.
التنقيب عن الذهب عمل يُثير العطش، ولم يكن عمّال منجم تونغ-سان استثناءً. ويستعيد داستن أن “البيرة كانت دعامته الأساسية”، وكان هناك نوعان فقط من البيرة متوفّران: “OB و Crown، وكانت Crown هي المفضّلة لدى معظم الناس في تلك الأيام.” كانت البيرة تُشترى من المطعم الصيني وتُنقل إلى مكتب المنجم، وحيث لا توجد ثلاجات، كانت تُخزَّن في البئر. كان ماء البئر بارداً لكنه غير صالح للشرب، فكان العمّال يكتفون بماء الجدول بعد غليه.
التنقيب عن الذهب مهنة خطرة بطبيعتها، ولذا ليس مستغرباً أن كثيراً من عمّال المناجم كانوا يؤمنون بالخرافات. ويستعيد داستن أن الحياة اليومية لعمّال المناجم الكوريين كانت “تكاد تكون مرسومة كلياً بحسب وسائل استرضاء الأرواح الكثيرة.” وكان العمّال يعتمدون على نصائح رجل عمره 72 عاماً يُدعى يو (Yu) – و”كان أبوه وجدّه قد عاشا في القرية نفسها في البيت نفسه” – لاسترضاء روح الجبل كلّما بدأ مشروع جديد في المنجم. ووفقاً لداستن:
“كان السيد يو يشرب أول وعاء من الدم الدافئ المتدفّق من حلق الخنزير المنحور، وهو الخنزير نفسه الذي سيُطلّ رأسه في مكان الشرف على طاولة “كوسا” (Kosa)، محاطاً بالتفاح والكمّثرى وسمكة مجفّفة أو اثنتين ولحم خنزير مسلوق ونبيذ.”
وعلى الرغم من الاحتياطات – البشرية وما فوق الطبيعية – وقعت حوادث. فأحد العمّال كاد يفقد يده عندما علقت بإحدى الآلات. كما سقطت “سان-يو” في فجوة تنقيب (winze) فكسرت ساقيها وكتفها الأيمن وأُصيبت بإصابات داخلية. وقد نجت بفضل لطف غرباء كوريين كثيرين أبدوه تجاه داستن وهو ينقلها إلى طبيب بيطري يبعد نحو ساعة من الطريق. وكان داستن نفسه ضحيّة أيضاً حين تطاير بعض الحمض إلى عينه – إمّا بسبب إهماله، وإمّا بسبب مزاج روح الجبل المتقلّب.

وبعد تعافيه، استقال داستن من منصبه بحجّة منطقية مفادها أن العمل كان شديد الخطورة. لكن الحقيقة أن داستن ببساطة “فقد اهتمامه” بالتنقيب وراح يبحث عن مغامرة جديدة.
ومن المفارقات، وقد مرّ على ذلك ما يقارب خمسين عاماً، أنه يستعيد بمحبّة قائلاً إنها “كانت أعظم تجربة في حياتي، تلك السنتان في منجم تونغ-سان، حلم الجنرال، والعمل اليدوي في استخراج الذهب من جوف الجبل، والتجربة الفريدة (وكم تبدو فريدة الآن من بعيد) في عيش حياة ‘رومانسية’ كحياة عامل منجم ذهب فعلي.”
الزمن كفيل بمداواة كل الجراح، وبإضفاء طابع رومانسي على الماضي.
المصدر: 10mag



