الثقافة الأسياوية

أسطورة معدّياتي نهر الهان المقطوع رأسه وسفر القوارب النهرية في كوريا القديمة

قبل ما يزيد قليلاً عن قرن من الزمن، كان السفر برّاً في كوريا مليئاً بالصعاب. لم تكن هناك سوى حفنة من الطرق — التي لم تكن في الغالب سوى مسارات وعرة — تربط المدن الكبيرة ببعضها البعض. ولنقل البضائع، كان معظم الناس يفضّلون المسارات المائية: فهناك المعدِّياتيّون (سعاة المعابر النهرية) الذين ينقلون الناس عبر العبّارات على أنهار كوريا الواسعة والملتوية.

كان أحد أهم مراكز بناء قوارب الأنهار في سيول في منطقة نوريانغجين (Noryangjin). وكانت تُبنى هناك قوارب يبلغ طول بعضها ثمانين قدماً، ومعظمها من خشب الصنوبر. وقد بلغ عدد هذه القوارب المئات، وكانت تُستخدَم لنقل الحطب والأرز وغيرها من السلع الأساسية من جيمولبو (Jemulpo) — التي تُعرف اليوم باسم إنشيون (Incheon) — ومن مختلف الموانئ النهرية إلى العاصمة.

كان نهر الهان (Han River) معروفاً بخطورته بسبب ضفافه الرملية المتحرّكة باستمرار، وصخوره المغمورة بالماء بالكاد. ورغم أن معظم القوارب الكورية الصغيرة كانت على دراية بمواقع الصخور، وكانت خفيفة بما يكفي لتفادي الجنوح على الضفاف الرملية، فإن السفن البخارية القليلة ذات الطراز الغربي لم تكن كذلك. ولم يكن من النادر أن ينتهي المطاف بركّاب البواخر النهرية وهم يقطعون الطريق سيراً على الأقدام من جيمولبو إلى سيول.

وكانت القرصنة مشكلة أخرى. فهناك روايات عديدة عن قراصنة كوريين هاجموا وسلبوا سفناً صينية ويابانية (جونك / Junks) أثناء عبورها لنهر الهان. وكثيراً ما كان يُقتَل أفراد الطاقم.

كانت قوارب الأنهار تُدار عادةً من قبل طاقم من ثلاثة أو أربعة رجال، ممن كانوا — بطبيعة الحال — يميلون إلى الخرافات. وكان يُعتقَد أن الأنهار مسكونة بأرواح الغارقين، أو مصابة بلعنة تنانين تتّخذ من الأعماق المظلمة والبرك السحيقة مأوى لها.

وأحد هذه الأماكن المسكونة كان “سون-دول موك” (Son-dol Mok)، الواقع قرب مصبّ نهر الهان. ولم يكن هذا المكان مسكوناً بروح معدِّياتي أُعدِم ظلماً فحسب، بل كانت تحفّ به أيضاً سلسلة من المنحدرات والدوامات المائية. وتروي الأسطورة أنه خلال الغزو المغولي عام 1232، استعان الملك غوجونغ ملك مملكة غوريو (Gojong of Goryeo) — الذي حكم بين عامَي 1213 و1259 — بالمعدّياتي سون-دول لإرشاده إلى جزيرة غانغهوا (Ganghwa) بحثاً عن الأمان. وفي البقعة المعروفة اليوم بـ”سون-دول موك”، يبدو أن المعدّياتي ضلّ الطريق.

فما كان من الملك، خشية الخيانة، إلا أن أمر بقطع رأس مرشده المسكين. ويُحكى أن سون-دول أخبر الملك قبل إعدامه بأنه حتى بعد موته سيظلّ يرشد ملكه إلى برّ الأمان، شرط أن يأمر الملك بوضع قَرَعة (يقطين) على سطح الماء أمام القارب وأن يتبعها. لكنّ إعلان سون-دول لولائه لم يكن كافياً لإنقاذ حياته، فأُعدِم فوراً. غير أن الملك اليائس أعاد التفكير في الأمر قريباً، وأمر بوضع قَرَعة كما أوصى سون-دول، فقادته القَرَعة بالفعل إلى برّ الأمان.

وبأسف عميق، ومن دون شكّ بشيء من الخوف من أن تطارده روح المعدّياتي، أمر الملك الكوري بدفن جثة سون-دول دفناً مشرّفاً وأقام له ضريحاً تُقدَّم فيه القرابين سنوياً في اليوم العشرين من الشهر العاشر — ذكرى وفاة سون-دول.

وحتى عام 1902، كانت تتردّد شائعات بأن “زوبعة هوجاء” تهبّ في تلك المنطقة في يوم ذكراه، و”يضطرّ كلّ معدّياتي عابر إلى أن يسكب قُرباناً ويتمتم بدعاء لروح الميّت التي لا تهدأ”.

لا تزال القوارب تجوب أنهار كوريا حتى اليوم، لكنها لم تعد تلك السفن الصغيرة الحذرة من الماضي. فزوارق السرعة تنطلق صعوداً وهبوطاً على نهر الهان وهي تجرّ المتزلّجين على المياه؛ وسيارات الأجرة النهرية تنقل المستعجلين من حيّ يويدو (Yeouido) إلى جامسيل (Jamsil)؛ بل إن اليخوت الصغيرة باتت رمزاً للمكانة الاجتماعية لدى الجيران. وقريباً، إذا تمّ تعميق مجرى نهر الهان وترميم جسوره، قد تعود السفن المحيطية الكبيرة لتخدم العاصمة الكورية من جديد.

إذا أعجبك هذا المقال، فلا تفوّت قراءة المزيد عن تاريخ كوريا: الإمبراطورة الأمريكية.

المصدر: 10mag

عبد الرحمن ناصر

عبد الرحمن البالغ من العمر 21 سنة مهتم بتصميم و تطوير المواقع و أيضا مهتم بالبرمجة و الحماية و أيضا له أهتمام كبير بكوريا و بثقافتها ويتمنى أن يزرها يوما ما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى