كوريا أرضٌ غنيّة بالتقاليد، تعاقبت عليها الديانات والمعتقدات وتبدّلت مع مرور الزمن. فقد عرفت البلاد الشامانية والكونفوشيوسية والبوذية، ومن بعدها المسيحية. وما زالت آثار هذا التراث حاضرة في أرجاء البلاد بأشكالٍ عدة، من بينها قصص الأشباح الكورية. فثمّة فولكلور كوري قديم يحكي عن أساطير المدن، والأرواح، وحكايات الأشباح، ولا يزال الكوريّون اليوم يميلون روحياً بطريقةٍ أو بأخرى نحو هذه الموروثات. مرّت قصصٌ كثيرة على مرّ السنين، ومذ فتحت كوريا حدودها على العالم في أواخر القرن التاسع عشر، باتت تُعرف سريعاً بأشباحها وأساطيرها الحضرية.
عام 1890
في تسعينيات القرن التاسع عشر، وصف أحد المبشّرين الأمريكيين كوريا بأنها أرض الجنّ والأشباح. فقد قيل إن الأرواح والأشباح كانت موجودة في كل مكان: تسكن كل شجرة وارفة، وكل سطح بيت، وتملأ المداخن والحظائر والمطابخ وغرف المعيشة.
وكانت تُبقي الكوري العادي في “حالة دائمة من القلق العصبي”، وتجعل “رفاهه مرتبطاً بسلسلة لا تنتهي من طقوس استرضائها”. ومن يقصّر في ذلك يلقى عقاباً قاسياً لا رحمة فيه، مما “يبقيه أسير هذا النير من المهد إلى اللحد”.
حتى بعض القصور الكورية قيل إنها مسكونة بالأشباح، فهُجرت بسبب ذلك. ورفضت الملكة مين (Queen Min) المكوث في أحد القصور، إذ أكّدت أنه من المستحيل النوم فيه ليلاً بسبب صراخ أصوات أصدقائها الذين قُتلوا، والذي ظلّت تسمعه باستمرار وهو يتساءل:
“لمَ قُتلتُ، لمَ قُتلتُ؟”
ووصف كاتبٌ آخر من تلك الحقبة القصر المهجور بأن الأشباح قد استولت عليه، وأن “حكايات مرعبة تُروى وتُصدَّق عن صخبٍ شيطاني ليليّ وسط تلك الفخامة الكئيبة”.
في تلك المرحلة، لم تكن العائلة المالكة الكورية وحدها من يعيش في فخامةٍ مسكونة. فكثير من أوائل الغربيين الذين قدموا إلى سيول استقرّوا في منازل مسؤولين كوريين قُتلوا خلال أحداث الاضطرابات في حادثة إيمو (Imo Incident) عام 1882.
قيل إن هذه المنازل مسكونة بأرواح أصحابها السابقين، ولذلك لم تكن جذّابةً لأحدٍ سوى الغربيين. ولأن الناس كانوا يعتقدون أنها مسكونة، فقد كانت إيجاراتها زهيدة جداً. وبما أن أياً من الغربيين لم يرَ شبحاً بأم عينه، فقد أصبح ذلك موضوعاً مفضّلاً للأحاديث.
وخلال أواخر فترة جوسون (Joseon)، قيل إن الأشباح كانت تجوب شوارع سيول، لا سيما في منطقة جونغنو (Jongno) حيث كان المجرمون المحكوم عليهم بالإعدام يُساقون عبر الشوارع في طريقهم إلى ساحة القصاص.
ولعلّ أغرب من أشباح المعدومين كانت الأشباح الأجنبية. فقد كان يُروى عن شبح بشعرٍ أشقر وعينين زرقاوين وشفتين قانيتي الحمرة يجوب الشوارع مقلِّداً بكاء طفل. وآمن كثيرون بأن هذا الشبح كان يسعى وراء الأطفال الكوريين كي يقتلهم ويستمدّ من حياتهم اليافعة قوّته.
عام 1918
في عام 1918، نُشرت في إحدى الصحف قصةٌ غريبة. تحكي القصة عن امرأة عجوز كانت تتجوّل في الريف مساءً بحثاً عن الأطفال. كانت تقترب من ضحاياها الصغار، وتُطمئنهم بأنها عرّافة قادرة على التنبؤ بمستقبلهم عبر لعق أيديهم بلسانها.
كان الأطفال السذّج يمدّون أيديهم إلى لسانها النتن، ثم يموتون فوراً. وبدأت الأمهات يُحكِمن إغلاق بوابات بيوتهنّ في المساء لمنع زيارات هذه المرأة التي تبيّن لاحقاً أنها الثعلب ذو الذيول التسعة (gumiho).
عام 1960
في ستينيات القرن العشرين، كان كثيراً ما يُلقى اللوم على الأشباح في حالات الحمل غير المُبرَّر اجتماعياً. فكانت الأمهات غير المتزوجات يدّعين أن أشباحاً اغتصبتهن أثناء نومهن. وكان يُطلق على هؤلاء الأطفال اسم “أطفال الأشباح”. كما كانت الأشباح تُتَّهم بالتسبب في تعاسة الإنسان العادي.
وأحياناً كان الشخص “المسكون” يلجأ إلى حيلٍ غريبة للتخلّص من شبحه، فيقفز أمام السيارات في اللحظة الأخيرة، نجاةً من الاصطدام، اعتقاداً منه بأن السيارة ستصدم الشبح وتأخذه بعيداً.
شبح الطائرة
قبل سنواتٍ عدة، يُقال إن إحدى شركات الطيران الكورية ابتُليت بسلسلةٍ من الحوادث الخارقة عقب انتحار أحد الركّاب في حمّام الطائرة.
ومنذ فترةٍ ليست ببعيدة، انتشرت شائعات بأن مبنى الجمعية الوطنية (National Assembly) مسكون بأرواح نساء البلاط اللاتي دُفنّ في أرضه. وحتى أحد المباني في يونغسان (Yongsan)، حيث تقع القاعدة العسكرية الأمريكية الكبرى في سيول، يُقال إنه مسكون بأشباح يابانية.
قبل وقتٍ قصير، سألتُ طفلاً كورياً صغيراً إن كان يؤمن بالأشباح، فأكّد لي بثقة أنه يؤمن بها لأن في بيته شبحاً يسكن… الثلاجة.
فقد أخبرته أمّه بأنه إن فتح الثلاجة دون إذنها فسيخطفه الشبح. وحتى يومنا هذا، تبقى كوريا، في عيون هذا الطفل الصغير على الأقل، أرضاً تعجّ بالأشباح التي تطلب الطاعة، وهكذا تستمرّ قصص الأشباح الكورية في الحياة.
المصدر: 10mag
