أزمة المواليد في كوريا: كيف يهدّد أدنى معدل ولادة في العالم مستقبل البلاد

حين تمشي في أحد أحياء سيول الهادئة، قد تلاحظ شيئًا غريبًا لا تراه في الإعلانات السياحية اللامعة: روضة أطفال أُغلقت وتحوّلت إلى مقهى، ومدرسة ابتدائية بالكاد تملأ صفًا واحدًا. خلف صورة كوريا الشابة النابضة التي تصدّرها الدراما والكيبوب، تكبر أزمة صامتة قد تعيد رسم ملامح البلاد خلال جيل واحد.

كوريا الجنوبية تسجّل اليوم أدنى معدل خصوبة في العالم. الرقم الذي يتداوله الباحثون يقترب من 0.7 طفل لكل امرأة، بينما يحتاج أي مجتمع إلى نحو 2.1 كي يحافظ على عدد سكانه دون تناقص. الفارق هائل، ونتائجه لن تظهر غدًا، لكنها تتراكم بهدوء مثل دَين طويل الأجل.

ماذا يعني رقم مثل 0.7؟

لنبسّط الأمر. إذا استمر هذا المعدل كما هو، فإن كل جيل كوري سيكون أصغر بكثير من الجيل الذي سبقه. يقدّر بعض الديموغرافيين أن عدد سكان كوريا، البالغ حاليًا نحو 51 مليونًا، قد ينخفض إلى ما دون 40 مليونًا قبل نهاية القرن، وربما أقل من ذلك في السيناريوهات المتشائمة.

المسألة ليست مجرد أرقام على ورق. مجتمع يشيخ بهذه السرعة يواجه أسئلة عملية صعبة: من سيملأ الوظائف؟ من سيموّل معاشات كبار السن حين يصبح المتقاعدون أكثر من العاملين؟ ومن سيعتني بجيل كامل بلغ الثمانين وليس حوله ما يكفي من الشباب؟

لماذا يتردّد الكوريون في الإنجاب؟

لا يوجد سبب واحد، بل شبكة متشابكة من الضغوط. أوّلها تكلفة تربية الطفل. التعليم في كوريا سباق محموم، والأسر تنفق مبالغ ضخمة على الدروس الخصوصية ومعاهد الـ«هاغوون» كي لا يتخلّف أبناؤها عن الركب. إنجاب طفل قرار مالي ثقيل قبل أن يكون قرارًا عاطفيًا.

ثم هناك سوق العمل وثقافته. ساعات طويلة، منافسة قاسية، وخوف دائم من أن يكلّف الغياب لرعاية طفل المرأةَ وظيفتها أو ترقيتها. كثير من النساء يشعرن أن عليهن الاختيار بين المسار المهني والأمومة، وليس الجمع بينهما.

أضف إلى ذلك أسعار المساكن في المدن الكبرى، خصوصًا سيول، حيث يبدو حلم شراء بيت بعيد المنال بالنسبة إلى شاب في بداية حياته. وحين يتأخّر الزواج، يتأخّر الإنجاب تلقائيًا، وأحيانًا يُلغى من الحسابات تمامًا.

عندما تتغيّر النظرة إلى الزواج نفسه

خلف الأرقام تحوّل ثقافي أعمق. جيل جديد من الشباب الكوري لم يعد يرى الزواج والإنجاب واجبًا اجتماعيًا لا نقاش فيه. بالنسبة لكثيرين، صار خيارًا شخصيًا يُوزن بعناية أمام الحرية الفردية والاستقرار المهني والراحة النفسية.

هذا لا يعني أن الشباب يرفضون الحب أو الأسرة، بل إن حساباتهم تغيّرت. حين تكون التكلفة عالية والدعم قليلًا، يصبح التأجيل قرارًا عقلانيًا في نظر الفرد، حتى لو كانت نتيجته الجماعية مقلقة للدولة.

ماذا تفعل الحكومة؟

أنفقت الحكومة الكورية مليارات الدولارات على مدى سنوات في محاولة لعكس الاتجاه: منح نقدية عند الولادة، دعم لرعاية الأطفال، إجازات أبوة، وتسهيلات سكنية للأسر الشابة. ومع ذلك، ظلّ المعدل ينزل عامًا بعد عام.

الدرس الذي بدأ يتضح أن المال وحده لا يكفي. ما لم تتغيّر ساعات العمل، وأعباء التعليم، ونظرة المجتمع إلى الأمومة والعمل معًا، فإن المنح تبقى ترقيعًا سطحيًا لمشكلة بنيوية عميقة.

لماذا يعنينا نحن هذا الأمر؟

قد يبدو الموضوع بعيدًا عن عالم الدراما والكيبوب الذي نحبّه، لكنه في صميمه. البلد الذي ينتج هذا الكمّ من الفنّ والثقافة يواجه سؤالًا وجوديًا عن استمراريته. وكثير من الدول، ومنها دول عربية، بدأت ترى مؤشرات مشابهة في تراجع معدلات الزواج والإنجاب.

قصة كوريا ليست مجرد خبر غريب من الشرق الأقصى، بل مرآة مبكرة قد تعكس ما ينتظر مجتمعات أخرى. وفهمها اليوم أفضل من مواجهتها فجأة بعد عشرين عامًا.

Exit mobile version