تقول كانغ هيي يونغ، مؤسِّسة ومالكة متجر بيؤودا (Piooda) (피우다)، وهو متجر لأسلوب حياة البالغين يقع في حيّ هيبانغتشون بسيول: «في هذا البلد، تُوجد الحياة الجنسية لكنّ الناس غالباً ما يتظاهرون بأنها غير موجودة».
ويُعدّ بيؤودا واحداً من العديد من العلامات التجارية لمتاجر البالغين التي بدا أنها ظهرت فجأة خلال العام والنصف الماضيين. فمنذ مطلع عام 2017، انتشرت عشرات المتاجر الصغيرة والكبيرة المخصّصة لمنتجات البالغين في الشوارع الرئيسية لأماكن بارزة مثل إيتايوون وغانغنام وهونغداي وميونغدونغ، لتمحو الفكرة القائلة بأن منتجات البالغين (성인용품) موجّهة لشريحة محدودة وغير اعتيادية فقط.
منتجات البالغين في ماضي كوريا
بحسب كو جونغ هوي، المدير العام لعلامة تجارية أخرى لمتاجر البالغين في كوريا تُدعى ريد كونتينر (Red Container)، كانت منتجات البالغين في ماضي كوريا تُباع غالباً في أماكن باهتة داخل مبانٍ متهالكة أو في حاويات معدنية غير ملحوظة عند زوايا الشوارع. وفي الواقع، يشير اسم «ريد كونتينر» (الحاوية الحمراء) إلى تاريخ هذه الصناعة، كما يمثّل محاولة لإعادة تشكيل صورة هذه المنتجات في البلاد.
وبواجهة صُمّمت لتبدو كصندوق معدني مطليّ بلون أحمر زاهٍ لافت، يصعب ألا تلاحظ المتجر إن كنت تتردّد على المنطقة، في إشارة صريحة إلى فلسفة العلامة التي ترى أن هذه الصناعة لا ينبغي أن تكون مخجلة أو مخفيّة.

وقال كو لمجلة 10 Magazine: «حلمنا هو أن يصبح ريد كونتينر معلماً بارزاً في إيتايوون. نأمل أن نصبح يوماً ما مكاناً يتّخذه الناس نقطة لقاء، فيقولون: لنلتقِ أمام ريد كونتينر».
سبب الازدهار المفاجئ لمتاجر البالغين في كوريا
بحسب كانغ مؤسِّسة بيؤودا، فإن السبب الأكبر للازدهار المفاجئ لهذه المتاجر في كوريا الجنوبية يعود إلى إلغاء أحد القوانين قبل نحو ثلاث سنوات. فقبل ذلك، كان استيراد هذه المنتجات إلى كوريا غير قانوني ومحظوراً بموجب لائحة أخلاقية (음란물 규제) — وهي قيود تستند إلى أرضية أخلاقية مشابهة للوائح الرقابة على الإنترنت التي تحظر المحتوى الإباحي في البلاد.
وكانت كانغ قد حاولت سابقاً افتتاح متجر مختلف عام 2007، لكنها واجهت صعوبة في إيجاد منتجات عالية الجودة يمكنها بيعها بسبب قيود الاستيراد الصارمة آنذاك. وفي النهاية قرّرت عدم المضيّ في الخطة، واختارت انتظار وقت أنسب لافتتاح مشروعها.
وتابعت كانغ: «الآن وبعد أن تغيّر القانون، أصبح استيراد هذه المنتجات أسهل بكثير. وصار أيسر على الناس بدء مشروع لبيعها، ولهذا تشاهدون كل هذه المتاجر الأكبر والأجمل والأكثر إشراقاً تنتشر في أنحاء البلاد».
غير أن التعديل القانوني لا يوضّح تماماً أيّ المنتجات يُسمح باستيرادها إلى البلاد. وبحسب كانغ، فإن غياب الوضوح حول هذه التغييرات كثيراً ما يترك القرار النهائي بيد موظفي الجمارك عند إدخال المنتجات إلى كوريا.
وقالت كانغ بنبرة فيها شيء من الضيق: «لا أفهم لماذا يرى الناس أنه من المقبول أن تتحكّم الحكومة في الحياة الخاصة لمواطنيها. لا أعتقد أن من حقّ الحكومة أن تتحكّم في الشأن الخاص للأفراد».
ثقافة متغيّرة في كوريا الجنوبية
ورغم الصعوبات التي ما زالت تحيط بهذه الصناعة، يبدو أن إلغاء القانون أتاح المجال لترسيخ عقلية جديدة في كوريا. فقد جعل هذا الإلغاء صناعة منتجات البالغين الكورية، إن لم تكن أكبر حجماً، فعلى الأقل أكثر علنيةً وحضوراً في البلاد — وهو تطوّر طبيعي، إذ إن الأعمال التي تبيع محتوى محظوراً لا تكون عادةً بالظهور نفسه الذي تتمتّع به نظيراتها القانونية.
فمتجر بيؤودا، على سبيل المثال، يقع في منطقة سكنية إلى حدّ كبير. ويستمدّ المتجر اسمه من الكلمة الكورية التي تعني «أن يُزهر»، وقد اختارتها كانغ بعناية في إشارة إلى «الازدهار» الذي يمكن أن يعيشه كل شخص حين يعتني بحياته الخاصة وراحته. وقالت كانغ: «أردنا استخدام كلمة كورية بدلاً من كلمة إنجليزية في تسمية متجرنا، لأننا أردنا الإشارة إلى ما نعتقد أنه تغيّر كبير يحدث في كوريا».
وأضافت: «أعتقد أن الثقافة المتعلّقة بهذا الجانب تتغيّر بالتأكيد في كوريا. لكن لكل بلد ثقافته المختلفة، ولا يمكن لثقافة أي بلد أن تتغيّر إلا بقدر ما يستطيع مواطنوه تقبّله في حينه».
والنظرة إلى داخل بيؤودا من شأنها أن تمحو ما يتصوّره معظم الناس عن شكل هذا النوع من المتاجر. فبجدرانه المطليّة بلون أخضر فاتح، ومنتجاته المرتّبة بأناقة على الرفوف الصغيرة، يشبه بيؤودا متجراً صغيراً أنيقاً للقرطاسية أكثر من كونه متجراً لمنتجات البالغين.

ويتميّز ريد كونتينر أيضاً بتصميم داخلي أنيق يعرض منتجات متنوّعة تتراوح بين المستحضرات والأزياء وحافظات وهدايا طريفة. ويتمثّل هدف العلامة ورؤيتها على المدى الطويل، بحسب المدير كو، في ترسيخ نفسها كمتجر للبالغين يمكن لأي شخص زيارته والشراء منه بسهولة.
وتابع كو: «نؤمن بأن زيارة متاجر البالغين ليست أمراً مخجلاً، وهدفنا هو الترويج لصورة إيجابية عن استخدام هذه المنتجات في الحياة اليومية».
وعبّرت كانغ عن مشاعر مماثلة قائلةً: «أؤمن بقوّة بأننا لسنا مضطرّين للاختباء. نحن نبيع فقط أشياء يحتاجها الناس في حياتهم. وقد أخبرنا كثيرون أنهم سعداء جداً بوجودنا».
غياب الثقافة التوعوية في كوريا
لكن رغم تأكيد كلٍّ من بيؤودا وريد كونتينر على رؤيتهما لإعادة تشكيل صورة هذه الصناعة في البلاد، تعبّر كانغ مؤسِّسة بيؤودا أيضاً عن مخاوفها من العواقب المحتملة للانتشار المفاجئ لهذه المتاجر في كوريا.
وقالت كانغ: «من جهة، يتيح انتشار المتاجر للناس وصولاً سهلاً إلى المنتجات. ومن جهة أخرى، ولأن معظم الناس ليسوا على دراية كافية بأنواع المنتجات التي يريدونها، أو أيّها آمن، أو كيفية العناية بها، فإن لديّ مخاوف من هذا الازدهار المفاجئ».
وأضافت: «كثير من أصحاب المتاجر أنفسهم أحياناً غير مطّلعين جيداً على منتجاتهم، وبعض المتاجر التي تبدو أنيقة من الخارج تبيع المنتجات نفسها المنخفضة الجودة الموجودة في الأماكن الأكثر بهتاناً».
وبحسب كانغ، فإن أولوية بيؤودا القصوى هي إيجاد منتجات آمنة وعالية الجودة وبيعها بأسعار معقولة. غير أن التعقيدات المحيطة بقوانين الاستيراد، والجودة المتدنّية في كثير من الأحيان للمنتجات المحلية، جعلت من هذه الرؤية تحدّياً في بعض الأحيان.
كما تطرّق كو إلى صعوبة غياب الثقافة التوعوية في إدارة ريد كونتينر. ويرى أن العثور على موظفين مؤهَّلين وتوظيفهم هو أكبر مصدر قلق لمستقبل المتجر، وقال لمجلة 10 Magazine: «لا يوجد كثير من الأشخاص المطّلعين جيداً على هذا المجال، ويشعر كثيرون أن العمل هنا لن يفيد سيرتهم الذاتية أو فرصهم الوظيفية المستقبلية. ونتيجةً لذلك، لا تتوفّر شريحة كبيرة من الموظفين المحتملين الذين يمكننا التوظيف من بينهم».
مستقبل (واعد) لهذه الصناعة في كوريا
لكن رغم بعض التحدّيات، تزدهر متاجر منتجات البالغين في كوريا الجنوبية.
فإيرادات ريد كونتينر، منذ افتتاحه في مطلع عام 2017، دفعت العلامة إلى إنشاء 13 فرعاً آخر في أنحاء كوريا، داخل سيول وخارجها. وبدأ فرعه الأول في إيتايوون يستقطب آلاف الزبائن أسبوعياً خلال أشهر قليلة فقط، ومعظمهم من النساء في العشرينيات والثلاثينيات، إضافةً إلى الأزواج.
كما يوسّع بيؤودا قاعدة زبائنه بثبات خلال العام الماضي. وبحسب كانغ، فإن نحو 60% من قاعدة الزبائن من النساء، يليهنّ الأزواج، وتتراوح الأعمار غالباً بين منتصف العشرينيات وأوائل الأربعينيات. لكنها أشارت أيضاً إلى وجود حالات لزوجين في السبعينيات من العمر، وأمّهات وبناتهنّ قدمن معاً، ورجال يأتون لشراء هدايا لشركائهم أو أصدقائهم. كما يستقبل المتجر شريحة واسعة من المجتمع.
وتأمل كانغ أن تستمرّ المبيعات في النمو إلى الحدّ الذي يمكّن بيؤودا من التوسّع نحو ابتكار منتجاته الخاصة وتنظيم ورش توعوية. وقالت: «نودّ في النهاية أن نفعل أكثر من مجرّد بيع المنتجات. نحن نصف أنفسنا بأننا متجر لأسلوب حياة، لأنني أردت إنشاء شركة قريبة من الإنسان وإيجابية في نظرتها».
يشكّل الكوريون غالبية قاعدة الزبائن لكلا المتجرين. وتقول كانغ: «عندما افتتحنا للمرة الأولى، كان لدينا كثير من الأجانب، أما الآن فمعظم زبائننا من الكوريين».
وتابعت كانغ: «فاجأني ذلك بالتأكيد، لكنني أعتقد أنه مؤشّر جيد على تزايد الانفتاح في البلاد».
المصدر: 10mag



