
سيول الحديثة مليئة بالفنادق، والحصول على غرفة فيها لا يمثّل عادة مشكلة كبيرة، لكن الوضع لم يكن كذلك دائماً. فالفنادق الفاخرة في سيول مطلع القرن العشرين كانت نادرة جداً. وقد أُسّس أول فندق يقدّم خدماته للغربيين عام 1884 بالقرب من المفوضية اليابانية. واستُخدم الفندق في البداية لإيواء البحّارة من السفينة الحربية الأمريكية يو إس إس ترنتون (U.S.S. Trenton). وبعد رحيلهم، أصبح لفترة قصيرة المكان الوحيد، بخلاف المفوضيات الأجنبية، الذي يمكن للزوّار القادمين من الخارج أن يجدوا فيه مأوى، وإن كان متواضعاً في أحسن الأحوال.

يصف هوراس ألن (Horace Allen)، وهو مبشّر آنذاك، إقامته في الفندق بأنها كانت “تجربة جديدة”، نام فيها على لوح خشبي، متخذاً من حذائه وسادة، ومن شالِه غطاءً. وقال: “أدفع 1.50 دولار يومياً [وهو مبلغ ضخم بمعايير العصر] في فندقي، لكنني لا أحصل على أي طعام إلا إذا أحضرته بنفسي، ولا تدفئة”. ويبدو أن نزيلاً لاحقاً كان حظّه أفضل قليلاً؛ فالغرفة كانت نظيفة ومجهّزة بطاولة صغيرة وكرسيّين ومصباح، لكن دون سرير أو فراش.
قُدّم للضيف “أربع بيضات نيئة تقريباً، وأربع ثمار كاكي (خرما)، وزجاجة بيرة وبعض الشاي”. ثم قُدّم له لاحقاً “شريحة لحم بقري، مظهرها بشع، قاسية وسيئة الطهي”، فرفض تناولها وأعادها. وسرعان ما أفلس الفندق، لا بسبب سوء خدماته، بل بسبب موجة من الاضطرابات السياسية والمشاعر المعادية للأجانب.
يبدو أن الفندق التالي في العاصمة كان فندق سيول (Seoul Hotel)، الذي تأسّس عام 1897. كان هذا النزل المؤلّف من طابقين مملوكاً ومُدار من قبل إيطالي يُدعى فيليكس بيجنو (Felix Bijno). وقد كان يقع “داخل أراضي القصر الإمبراطوري”، وتميّز بـ”غرف نوم واسعة ومريحة ومجهّزة بشكل جيد”، وكان يقدّم “مأكولات على الطراز الفرنسي الفاخر”.
ألن، الذي أصبح حينها وزيراً مفوّضاً للولايات المتحدة في كوريا، وصف الفندق بأنه يوفّر “كل الراحة التي يستطيع إيطالي طيّب وزوجته تقديمها”، بأسعار تبلغ دولارين لليلة الواحدة. ورغم نجاحه الواضح، بما في ذلك استضافة فعاليات حكومية كورية كبرى، فإن فندق سيول قد بيع، حسب التقارير، إلى رجل فرنسي في أواخر عام 1898 أو مطلع عام 1899، وتغيّر اسمه إلى الفندق الفرنسي (French Hotel).

سرعان ما ظهرت عدة فنادق في سيول، وكان أكثرها شهرة فندق سونتاغ (Sontag Hotel)، المسمّى نسبة إلى مؤسّسته أنطوانيت سونتاغ (Antoinette Sontag). كانت سونتاغ مواطنة ألمانية وصلت إلى سيول عام 1887 لتولّي إدارة بيت الوزير الروسي في كوريا كارل فيبر (Carl Waeber)، الذي كان صهرها.
قامت بعملها على أكمل وجه، ويبدو أنها لفتت أنظار الملك، ثم الإمبراطور لاحقاً، غوجونغ (Kojong)، حين كان مقيماً في المفوضية الروسية خلال الفترة المضطربة التي تلت اغتيال الملكة مين (Queen Min). وقد منحها الملك الكوري لاحقاً قطعة الأرض وزوّدها بالمال اللازم لإقامة فندقها، الذي يمكن اعتباره أفضل فندق في سيول.
ربما ساهمت علاقة سونتاغ بالعاهل الكوري في بيعها للفندق ومغادرتها كوريا في النهاية. فقد كانت هناك ادعاءات بأن اجتماعات سرية مناهضة لليابان وموالية لروسيا كانت تُعقد في مبنى الفندق، وأنه كان قناة لتمرير الأموال لتمويل حركات الاستقلال الكورية. وقد صرّح أحد المسؤولين اليابانيين بأن “الغرفة السرية في فندق سونتاغ كانت مركز استشارات للمؤامرات الدبلوماسية”.
باعت سونتاغ فندقها إلى جيه. بوهر (J. Boher)، الذي أبقى على الاسم. وفي عام 1911، وُصف الفندق بأنه “أحد أكثر الفنادق شهرة وشعبية في كوريا (وكان سابقاً فندقاً خاصاً بالأسرة الإمبراطورية الكورية)، مزوّداً بأضواء كهربائية، وحمّامات مجانية، وقاعة قراءة مجهّزة جيداً بالصحف والمجلات من بلدان عديدة”. وكانت حدائق الفندق منسّقة بطريقة جميلة مع الأزهار والأشجار.
خلال فصلي الربيع والصيف، كان الهواء يمتلئ بصرخات وأغاني وأصوات العقعق والوقواق والإوز والديوك الصغيرة والطيور الأخرى. وأكثر من ذلك تفرّداً كانت أصوات شخير وزقزقة دببة صغيرة كان مالك الفندق قد أسرها وربطها بسلاسل إلى الأشجار.

في نهاية المطاف، بيع فندق سونتاغ وفُكّك. وبنى اليابانيون فندقاً بارزاً جديداً سمّوه فندق تشوسن (Chosen Hotel). وقد احتفل هذا الفندق بمرور 100 عام على تأسيسه في عام 2014. لكن، كما يحلو للمؤرّخ الكوري الشهير أندريه لانكوف (Andrei Lankov) أن يقول، فهذه قصة لوقت آخر.
المصدر: 10mag


