في المرة الأولى التي وصلت فيها إلى أندونغ (Andong)، كان ذلك بالقطار. هناك شيء ما في الوصول إلى مكان بهذه الطريقة يجرّده من كل استعراض الوصول المعتاد. لا لافتات على الطريق السريع تصنع ترقّباً مفتعلاً، ولا محطات استراحة مليئة بالعلامات التجارية تحاول أن تبيعك المنطقة قبل أن تراها حتى. مجرد قطار يتباطأ، ورصيف، وبلدة أمضت الخمسمئة سنة الأخيرة تكون تماماً ما هي عليه، سواء جاء أحد لينظر إليها أم لا.
أعترف أنني احتجت وقتاً حتى أفهم الطرفة.
وهم الخط المستقيم
معظم برامج زيارة كوريا تسير في خط مستقيم متوقّع ومصقول. سيول، ثم قطار سريع إلى بوسان، وربما جزيرة جيجو إن بقي وقت لحشرها. قد تحظى غيونغجو بجولة نصف يوم إن ناسب ذلك الجدول، لكن أندونغ نادراً ما تدخل الحسابات.
يتخطاها المسافرون لأنها بعيدة عن الطريق، ولأنها هادئة، ولأنها لا تظهر في الصور كما يظهر قصر مزدحم أو شاطئ. لكن كلمة «بعيدة عن الطريق» تحمل هنا معنى أكبر بكثير. فقد احتفظت أندونغ بقراها الكونفوشية العائلية وبتقليد رقصة الأقنعة فيها تحديداً لأنها لم تكن في طريق أحد إلى أي مكان.
قرية حية وسخرية عمرها 600 عام
إن ذهبت إلى قرية هاهوي (Hahoe)، تدرك بسرعة أنها ليست إعادة بناء. ليست مدينة ملاهٍ مصطنعة. لا يزال الناس يعيشون في تلك البيوت. وحين تغادر حافلات السياح في نهاية النهار، يعمّ الهدوء إلى حدّ أنك تكاد تسمع عطسة حلزون.
رقصة الأقنعة التي تُؤدّى هناك ليست عرضاً أجوف يُقام للسياح. إنها سخرية لاذعة ظلّت تهزأ من طبقة النبلاء يانغبان ومن رجال الدين طوال ستمئة عام، ولا تزال الطرفة تصيب هدفها تماماً لأن أهدافها لم تختفِ فعلاً.
كنوز الطهي في القلب المحبوس عن البحر
أندونغ محبوسة عن البحر، وهذا ما صاغ ثقافتها الغذائية الريفية التي لا تعتذر عن نفسها. لا يمكنك الحديث عن أندونغ دون أن تجلس في «زقاق الدجاج» أمام صحن ضخم من جيمدالك. تقول الحكاية إن هذا الطبق من الدجاج المطهو ببطء بنكهة حلوة وحارّة وبالثوم ابتكره باعة السوق المحليون في ثمانينيات القرن الماضي لصدّ غزو سلاسل الدجاج المقلي الغربية. وعند أكل معكرونة السيلوفان الطويلة، يحب السكان المحليون أن يرتشفوها ممسكين العيدان بيد ومقصّ المطبخ باليد الأخرى. تقصّ المعكرونة وأنت ترتشفها، مع أنني انتهيت مرة والمعكرونة تصعد إلى أنفي وأنا أفعل ذلك.
تُنزل هذا كله بكأس قوية من سوجو أندونغ التقليدي، الذي تبلغ نسبة الكحول فيه 45 بالمئة تركل الكبد ركلاً.
عزلة المنطقة أنجبت أيضاً أطعمة نجاة أخرى صارت أطباقاً فاخرة. فلأن السمك الطازج كان يفسد قبل أن يصل إلى البلدة، كان الماكريل يُملّح بكثافة لنقله، فنشأ غان غودينغو (الماكريل المملّح)، وهو رائع مشوياً على الفحم. ثم هناك هوتجيسابب، أي «طعام الطقوس المزيّف». وقد بدأ حين اشتهى علماء كونفوشيون جائعون البيبيمباب المُعدّ بصلصة الصويا الذي كان يُخصَّص عادةً لطقوس تكريم الأسلاف، فزيّفوا الطقوس لمجرد الحصول على وجبة في وقت متأخر من الليل.
لا تكفي فترة ظهيرة واحدة
يمكنك أن ترى أندونغ في فترة ظهيرة. تنزل من القطار، وتمشي عبر هاهوي ساعتين، وتأكل صحن جيمدالك، وتعود إلى الرصيف قبل العشاء. يفعل الناس هذا باستمرار، ولم أشاهد أحداً منهم يغادر وهو راضٍ ولو مرة واحدة. أندونغ لا تؤدّي عرضها وفق جدول كهذا. القرية تهدأ في وقتها الخاص، غالباً بعد أن تغادر آخر حافلة سياح، ورقصة الأقنعة لا تُقام إلا في المواعيد التي حافظت عليها ستمئة عام، لا في مواعيدك أنت.
هذا هو التفكير الكامن وراء «رحلة أندونغ-غيونغجو» متعددة الأيام التي أطلقناها حديثاً، وهي مصمّمة للبلدات التي يظل شريط كوريا الترويجي يتخطاها. تمنحك أندونغ القرى العائلية والسخرية التي لا تزال تصيب هدفها. أما غيونغجو، على مسافة قيادة قصيرة جنوباً، فتضع بين يديك عاصمة مملكة حكمت شبه الجزيرة قرابة ألف عام. لا تدين أيّ منهما بوجودها لجدول حافلة سياحية، ولا تعطيك أيّ منهما الكثير إن توقفت فيها فترة ظهيرة فقط.
المصدر: zenkimchi