على نحوٍ أراح الكثيرين في مجتمع العملات الرقمية، أعلنت الحكومة الكورية في 23 يناير أنها لن تحظر تداول العملات الرقمية بأكمله، بل ستمنع فقط عنصر إخفاء الهوية في تداولها. وقد بدأ اعتباراً من 30 يناير العمل بنظام التحقق من الاسم الحقيقي والربط الإلزامي بين الحسابات المصرفية التقليدية وحسابات منصّات تداول العملات الرقمية.
وكان يُخشى سابقاً أن تواجه إحدى أكبر أسواق هذا القطاع حظراً كاملاً على العملات الرقمية. فمنذ حظر الصين للاستثمار في العملات الرقمية، أصبحت كوريا ثالث أكبر سوق في العالم للعملات الرقمية، بعد اليابان والولايات المتحدة.
ومع عودة منصّات التداول والبنوك والمستثمرين الكوريين إلى نشاطهم المعتاد، قد تشهد البيتكوين ونظيراتها من العملات الرقمية أخيراً عودة بعض المشاعر الإيجابية إلى السوق بعد شهر يناير المتشائم. لكن قبل أن ننظر بعيداً إلى الأمام، يجدر بنا العودة إلى الوراء لنرى كيف وصلت كوريا إلى حافة حظرٍ محتمل.
الجدول الزمني للتنظيم الكوري
في ديسمبر من العام الماضي، وفي محاولة واضحة لتبرير فرض لوائح صارمة على تداول العملات الرقمية، ربط رئيس الوزراء الكوري لي ناك يون العملات الافتراضية بشكلٍ مثير للسخرية بانخراط الشباب في «أنشطة غير قانونية كتجارة المخدرات أو التسويق الهرمي لعمليات الاحتيال»، وفقاً لترجمة شبكة CNBC.
وفي 11 يناير، أفادت CNBC بأن وزير العدل الكوري الجنوبي صرّح بأنه يجري إعداد مشروع قانون «لحظر جميع عمليات تداول العملات الرقمية في البلاد». وخضعت منصّات تداول العملات الرقمية للتحقيق من قبل مسؤولي دائرة الضرائب الوطنية الذين كانوا يحقّقون في مزاعم بالتهرّب الضريبي. وهبطت أسعار كلٍّ من البيتكوين والإيثيريوم استجابةً لهذا الخبر، بنسبة 12 بالمئة و7.6 بالمئة على التوالي.
وقال رئيس لجنة الخدمات المالية في كوريا الجنوبية في 18 يناير إن الحكومة «تدرس إغلاق جميع منصّات تداول العملات الافتراضية المحلية أو ربما فقط تلك التي تنتهك القانون». وبهذا التصريح، لم يحدّد أي اتجاه ستميل إليه الحكومة، أي ما إذا كانت ستستهدف جميع المنصّات أم المخالفين للقانون فقط.
لكن بحلول ذلك الوقت كانت عريضة موجّهة إلى الحكومة ضد الإجراءات المتطرفة لكبح تداول العملات الرقمية قد جمعت أكثر من 200 ألف توقيع، ما أجبر الحكومة على الرد. وقد حظي شغف كوريا بالعملات الرقمية بتغطية إعلامية واسعة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى ثلث القوى العاملة في البلاد قد استثمر في العملات الرقمية.
ويُعزى التليين الظاهري لموقف الحكومة على الأرجح إلى ردة الفعل المحلية الرافضة لاحتمال حظر العملات الرقمية. ولم تعترض العريضة (التي انطلقت في 28 ديسمبر) على اشتراط ربط حسابات منصّات التداول بالأسماء الحقيقية، ولا على فرض ضرائب على الأرباح الرأسمالية، بل اكتفت بإبراز الحماس الكوري للعملات الرقمية. ويمثّل الوون الكوري خمسة بالمئة من إجمالي التداولات مقابل البيتكوين وعشرة بالمئة مقابل الإيثيريوم، ليأتي في المرتبة الثانية بعد الدولار الأمريكي بالنسبة للأخيرة.
كما أن هناك احتمالاً قوياً بأن الحكومة كانت تخشى أن يؤثّر حظر فوري لسوق العملات الرقمية سلباً على الاقتصاد، مستنزفاً مبالغ هائلة من القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة بين عشية وضحاها. علاوة على ذلك، لو حدث الحظر فجأة، لكان هناك خطر أن يتدفق الكوريون لفتح حسابات للعملات الرقمية في عشرات المنصّات الموجودة خارج كوريا. ومع ذلك، ونظراً لنظام الرقابة الصارم على رأس المال في كوريا، لكان ذلك أمراً شائكاً بالنسبة للمواطنين الكوريين، إلا إذا كانوا ضمن نحو مليونين ونصف المليون شخص يتداولون العملات الرقمية أصلاً. فالحظر التام لتداول العملات الرقمية في كوريا كان سيؤدي إلى إغلاق قطاع مربح للغاية، فضلاً عن جعل قوانين مكافحة غسل الأموال في كوريا أصعب في التطبيق.
ماذا تعني القواعد الجديدة
تشترط اللوائح الجديدة على متداولي ومستثمري البيتكوين وغيرها من العملات الرقمية ربط حسابات تداولهم بحسابات مصرفية باسمهم الحقيقي، مع وثائق هوية مُتحقَّق منها. والقاعدة ليست مرهقة للغاية، وهي مطبّقة بالفعل في ولايات قضائية أخرى كالولايات المتحدة وأستراليا. وبشكلٍ متزايد، تطبّق عمليات الطرح الأولي للعملات والمنصّات ومزوّدو المحافظ سياسات «اعرف عميلك» (KYC) امتثالاً طوعياً للمتطلبات التنظيمية المتوقعة مستقبلاً. كما يُمنع القاصرون في كوريا من فتح حسابات تداول.
والغريب أنه لم يعد بإمكان المنصّات الكورية تسجيل الأجانب — بمن فيهم المقيمون في كوريا — كعملاء. ويُفترض أن الهدف من هذه السياسات هو تخليص المنصّات الكورية من المستثمرين الصينيين الباحثين عن ولايات قضائية أخرى لأنشطتهم التداولية منذ حظر الصين لمنصّات التداول عام 2017.
لماذا حظر الأجانب؟
التبرير الكامل لحظر الأجانب يفتقر إلى التفاصيل. فقد أشار كيم جين هوا، ممثّل رابطة البلوكتشين الكورية، إلى أن دخول العملات الأجنبية إلى المنصّات الكورية يتسبب في فقاعة مضاربة لأن «زيادة المعروض تعني مضاربة أكبر». لكن ليس من الواضح كيف يخلق ازدياد المعروض من أصلٍ ما مزيداً من المضاربة، بل وأقل وضوحاً لماذا قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
أما المبرّر الثاني فهو أن المستثمرين الصينيين يتداولون على المنصّات الكورية بشكل غير قانوني، محوّلين العملات الرقمية إلى عملات نقدية أجنبية لإعادتها إلى الصين. وأكّد تشوي يونغ كوان من شركة BlockchainOS الناشئة أن حظر الأجانب كان إجراءً «لحظر هذه الأنشطة غير القانونية». وليس من الواضح ما إذا كانت تلك الأنشطة غير قانونية في الصين وأن الحكومة الكورية تساعد الحكومة الصينية على منع المستثمرين الصينيين من تداول العملات الرقمية، أم أن تحويل العملات الرقمية إلى عملات نقدية غير الوون أمرٌ غير قانوني في كوريا.
ومع ذلك، أُفيد أيضاً بأن المنطق وراء حظر الأجانب كان منع تداول المراجحة (الأربتراج). فالعملات الرقمية تُتداول بعلاوة سعرية في كوريا، وهي ظاهرة يُشار إليها عامّيّاً بـ«علاوة الكيمتشي». وأمرٌ محيّر أن تكون الحكومة الكورية قلقة من استفادة المتداولين من فرص المراجحة، إذ ليس لهذه الاستراتيجية أي تأثير على الاقتصاد الكوري، كما أنها صعبة التحقيق نظراً للرقابة الصارمة على رأس المال في كوريا.
كل شيء على ما يُرام في النهاية
على أي حال، ومع وجود لوائح ملموسة الآن، يبدو أن التكهّنات المتناقضة أحياناً والمثيرة للجدل غالباً حول نوايا الحكومة الكورية قد بلغت خاتمتها، في الوقت الراهن على الأقل. ونظراً لنفوذ البلاد في مجال العملات الرقمية، سيرحّب المستثمرون في العملات الرقمية حول العالم بعودة التداول إلى طبيعته في كوريا.
المصدر: 10mag