مع تفتّح هذه الأعجوبة الطبيعية، يصبح جمالها آسراً بقدر غموض أصولها.
مع ارتفاع درجة الحرارة فجأة وانقضاء آخر ذيول البرد، تنمو درجة وردية جميلة في أكثر الأماكن غرابة، على الأرصفة والجبال وبعض الفضاءات المفتوحة. وفي المدينة، يشير التباين الصارخ بين الألوان الرمادية الكئيبة الثقيلة لناطحات السحاب والألوان الزاهية المبهجة إلى شيء واحد: الربيع قد حلّ، ومعه أزهار الكرز الجميلة التي تأتي معه.
وفي حين كثيراً ما يُعدّ ديسمبر «أروع وقت في السنة»، كما تقول الأغنية، فإن في هذا الفصل «الانتقالي» يُستشعر معنى التجدّد والأمل. فالطقس معتدل تماماً، ليس بارداً جداً ولا حارّاً جداً، ويطوي الناس ملابسهم الثقيلة كما يطوون أمزجتهم الثقيلة.
في كوريا الجنوبية، يتنامى جدل كل عام مع بدء ظهور هذه الأزهار: من أين أتت أزهار الكرز؟ ففي حين تدّعي معظم المصادر الكورية الجنوبية أنها أصيلة في أرضها، هناك حجج مضادّة وحقائق كثيرة تقول خلاف ذلك. إليك بعض الدراسات حول أصول هذه الأزهار:
1. طالما ارتبطت أزهار الكرز باليابان. ففي مقال نشرته صحيفة هافنغتون بوست، تقول الدراسات إن «أزهار الكرز أو الساكورا هاجرت إلى اليابان منذ آلاف السنين وانتشرت في أنحاء البلاد قبل عصر ما قبل التاريخ».
وتُظهر السجلّات أن مهرجانات أزهار الكرز أو نزهاتها (المسمّاة هانامي) اشتهرت خلال فترة هييآن (794 إلى 1185)، حين بدأ الأباطرة وأفراد القصر الإمبراطوري إقامة الولائم تحت أغصان الشجرة المزهرة.
2. في النسخة الإلكترونية من Daily Sports، قيل إن الأزهار التي كان يُعتقد أنها نشأت في اليابان كانت في الواقع من جزيرة جيجو (Jeju). ويأتي ذلك من تاريخ المهرجان الوطني لأزهار الكرز الذي يُقام كل عام في واشنطن العاصمة.
في عام 1912، أهدى عمدة طوكيو يوكيو أوزاكي 3,000 شجرة كرز للعاصمة الأمريكية رمزاً للصداقة بين البلدين. لكن بحسب الصحيفة، كادت الأشجار تُقطع خلال الحرب العالمية الثانية بسبب هجوم اليابان على بيرل هاربر، لولا رجل الدولة الكوري المنفيّ سينغمان ري (Syngman Rhee).
ويُقال إن ري، الذي أصبح لاحقاً أول رئيس لكوريا، أنقذ الأشجار بقوله إن أصلها من كوريا، وإن اليابانيين أخبروا الولايات المتحدة بأنها من اليابان فقط لأن كوريا كانت تحت حكمهم الاستعماري آنذاك.
3. نُشر بحث بدعم من معهد أبحاث الغابات الكوري يقول إنه وجد مزيداً من الأدلّة التي تنحاز إلى الأصل الكوري لأزهار الكرز، إذ تبيّن أن عيّنات الحمض النووي من واشنطن العاصمة وثيقة الصلة بأشجار جيجو.
4. لكن في مقال نُشر في صحيفة جابان تايمز، يشكّك الدكتور تاكيشي كينوشيتا، الأستاذ في جامعة تيكيو المتخصّص في علم النبات العرقي، في هذا الادّعاء على موقعه. واستشهد كينوشيتا بدراسة أخرى أجراها فريق من معهد أبحاث تابع لوزارة الزراعة الأمريكية وجامعة سيول الوطنية.
أجرى هذا الفريق اختبارات حمض نووي عام 2007 على أشجار السوميه-يوشينو في واشنطن العاصمة، وأشجار الكرز البرّية في جيجو. وتنصّ نتيجة دراستهم، كما كتب كينوشيتا، على أن «أشجار جزيرة جيجو نوع فريد ومختلف بوضوح عن أشجار السوميه-يوشينو المهجّنة». ويذكر أيضاً أنه لم يؤكّد أي باحث فعلاً الادّعاء بأن الأشجار من جيجو.
5. وفي منعطف آخر للأحداث، نشرت صحيفة Daily Mail مقالاً عن هي زونغرو، الرئيس التنفيذي لجمعية صناعة الكرز الصينية، الذي قال إن كلاً من اليابان وكوريا مخطئتان، وإن الصين هي مهد الأزهار الحقيقي.
واستشهد بدراسة يابانية عن أزهار الكرز، نصّت على أن الزهرة نشأت في جبال الهيمالايا في الصين ولم تصل إلى اليابان إلا في عهد أسرة تانغ قبل أكثر من 1,100 عام. وقال زونغرو: «لا نريد الدخول في حرب كلامية مع اليابان وكوريا الجنوبية، لكننا نريد تأكيد حقيقة: تؤكّد وثائق تاريخية كثيرة أن مكان نشأة أزهار الكرز في الصين».
وأضاف: «ببساطة، نشأت أزهار الكرز في الصين وازدهرت في اليابان. وكوريا الجنوبية لا علاقة لها بها».
6. كتب تشوي يون-هونغ، وهو شاعر وكاتب، في صحيفة كوريا تايمز: «أودّ التعليق على مسألتين تتعلّقان بهذا المهرجان. الأولى ادّعاء سخيف لبعض الكوريين الذين يظنّون أن أشجار الكرز المزروعة هنا كانت في الأصل من جزيرة جيجو».
«لم تنجُ أشجار الكرز اليابانية الأولى، فجاءت المجموعة الثانية من جيجو. وفي عام 1943، ادّعى الرئيس الأسبق سينغمان ري أن أشجار الكرز من كوريا وليست من اليابان، حين كان الشعب الأمريكي غاضباً من هجوم اليابان على بيرل هاربر. من يدري؟ ربما يكون ذلك صحيحاً».
أيّاً كان أصل هذه الأنواع، فإن الانبهار بجمالها أجدى بكثير من الانشغال بملكيّتها. ففي النهاية، لا أحد يملك الطبيعة حقاً، وربما من الأفضل ترك أصلها لغزاً وعدم إلصاق أي أجندة سياسية أو قومية به.
أتّفق مع ما كتبه تشوي يون-هونغ: «الطبيعة في اليابان وكوريا ليست مختلفة كثيراً. وينبغي للبلدين إقامة مهرجان مشترك لأزهار الكرز من أجل الصداقة والعلاقات البيئية الثقافية. وآمل أن تزدهر صداقة الأمّتين دائماً كأزهار الكرز؛ سيكون ذلك جميلاً». وربما يمكن للصين أن تشارك في الاحتفالات أيضاً.
الصور بعدسة لي هيونغ كيو / instagram.com/lips0007
المصدر: 10mag



