
حين نفكّر في الثقافات المختلفة حول العالم، يهرع ذهننا سريعاً نحو الطعام: فمن الأطباق الكلاسيكية إلى موائد الاحتفالات، يبقى فنّ الطهي هو ما يُعرّفنا.
إنّ التجربة الطهوية الكورية فريدةٌ بحقّ، وتظلّ لكثيرين مغامرةً لم تُكتشف بعد. خطّط جولتك بين أشهى الأطعمة التقليدية الكورية، واغمر نفسك في قلب الثقافة الكورية مع دليل “10 ماغازين” (10 Magazine) إلى أعرق عشرة مطاعم في العاصمة سيول (Seoul).
على الرغم من أنّ مدينة سيول مأهولة منذ أكثر من ألفَي عام، فإنّ أقدم مطاعمها لا تعود إلى أزمنةٍ سحيقة كما قد يتوقّع المرء. فأقدم مطعمٍ ما زال يقاوم على الساحة الذوّاقية في سيول فتح أبوابه في بدايات القرن العشرين، وتبعه معظم المطاعم الأخرى الواردة في قائمتنا في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته.
تشترك هذه المطاعم التي صمدت طوال قرنٍ مضطرب في كوريا في قصصٍ مذهلة من التفاني والمثابرة. ومجرّد قدرتها على البقاء عبر قرنٍ شهد بعضاً من أعظم الانقلابات في التاريخ كافٍ لجعلها وجهاتٍ تستحقّ الزيارة.
إيمون سيولنونغتانغ (Imun Seolnongtang) | 1902-1907
يُعدّ مطعم إيمون سيولنونغتانغ (Imun Seolnongtang) أقدم اسمٍ في قائمتنا، رغم أنّ لا أحد يجزم بالتاريخ الدقيق لافتتاحه. ويختلف زبائنه المنتظمون بشدّة حول سنة ميلاده، لكنّهم ينقسمون عادةً بين من يرى أنّه فُتح عام 1902 أو 1905 أو 1907.
وبالمثل، يبقى مالكه الأصلي لغزاً آخر، إذ لا يُعرف عنه سوى أنّه “السيّد هونغ” (Mr Hong). وكان موقع المطعم الأصلي فيما يُعرف اليوم بحيّ غونغبيونغ-دونغ (Gongpyeong-dong)، حتى أنّ اسمه نفسه مشبعٌ بالتاريخ ويحمل لمحاتٍ من زمنٍ مضى: فكلمة “إيمون” (Imun) مأخوذة من “إيمون-غول” (Imun-gol)، الاسم القديم المهجور لموقع المطعم الأوّل، أمّا “سيولنونغتانغ” (seolnongtang) فهي صيغةٌ قديمة لكلمة “سيولّيونغتانغ” (seolleongtang)، الطبق الأشهر لدى المطعم.
والسيولّيونغتانغ (seolleongtang) عبارة عن مرقٍ كوريّ ثقيل من لحم البقر، يُقدَّم عادةً مع المعكرونة والبصل الأخضر. وسيُسعد أصحاب الأذواق غير المغامرة معرفة أنّ التتبيل يتمّ على الطاولة، فيُترك للضيف حرّية إضافة الملح والفلفل الأسود المطحون والفلفل الأحمر والثوم المفروم والبصل الأخضر المقطّع.

هيونغجي تشويوتانغ (Hyeongje Chueotang) | 1926
باعتباره ثاني أقدم مطاعم سيول، يقترب هيونغجي تشويوتانغ (Hyeongje Chueotang) من إكمال 90 عاماً من الخدمة. افتتح أبوابه عام 1926، ولم يغيّر موقعه سوى مرّة واحدة طوال عمره: ففي عام 2006 انتقل إلى موقعه الحالي قرب سفح جبل بوكان (Bukhan Mountain). وفي هذا الإطار المثالي لوجبةٍ كورية تقليدية وهروبٍ من ضوضاء سيول، أمضى المطعم نحو تسعة عقودٍ يصقل فيها طبقه الأشهر “تشويوتانغ” (chueotang) أي حساء السمك الطيني، حتى بات يُعدّ بحقّ أحد أفضل ثلاث وجهاتٍ في سيول لتذوّق هذا الطبق، إلى جانب يونغ غوم أوك (Yong Geum Ok) وغومبو تشوتانغ (Gombo Chutang)، اللذَين سنتعرّف إليهما لاحقاً.
يشتهر مطعم هيونغجي تشويوتانغ بطبق “تشوتانغ” (Chutang) على الطريقة السيولية، الذي يُقدَّم مع التوفو والتوفو المقلي وسمك الطين المطحون والكامل. وقد يحدث لبسٌ لدى القرّاء بين “تشويوتانغ” (Chueotang) و”تشوتانغ” (Chutang)، لكنّهما متشابهان جداً، فكلاهما يُحضَّر من سمك الطين النهري المطحون، يُطهى مع تشكيلةٍ من الخضار، ومعجون فول الصويا، ومعجون الفلفل الأحمر، ومسحوق بذور شجر الرماد. والفارق الوحيد أنّ “تشوتانغ”، الشائع في سيول، يحتوي في معظمه على السمك كاملاً.
ورغم أنّ المكوّن الأساسي ليس غريباً على الوحل، يُقال إنّ هذا الحساء يمتلك “قوى تجميلية” خاصة. وقد يكون في هذه الحكاية القديمة بعض الصحّة، إذ يُعدّ التشويوتانغ وجبةً غنية بالعناصر المغذّية، مليئةً بفيتامين A والبروتين والكالسيوم. ومن أبرز الأطباق الأخرى في القائمة: سمك الطين المقلي بالخضار وسمك الطين المقلي.
يونغ غوم أوك (Yong Geum Ok) | 1932
رغم أنّ يونغ غوم أوك (Yong Geum Ok) أصغر من هيونغجي تشويوتانغ بستّ سنوات، فإنّ هذا “الناشئ” يُعدّ شيخاً موقّراً في الساحة الذوّاقية بسيول، وينافس هيونغجي تشويوتانغ على لقب أفضل طبق تشويوتانغ في العاصمة.
افتُتح المطعم عام 1932 في قلب ما كان يُعرف بوسط مدينة سيول، وما زال يقدّم نسخته الخاصة من التشويوتانغ التي عملت ثلاثة أجيالٍ من معلّمي هذا الطبق على صقلها على مدى قرنٍ كامل تقريباً. وعلى خلاف المطعمَين الآخرَين المُتنازعَين على الصدارة، يقدّم يونغ غوم أوك حساء سمك الطين مع المعكرونة.
يجعل موقع يونغ غوم أوك زيارته أمراً لا بدّ منه في جولة السائح بسيول؛ إذ يقع قرب جدول تشونغ غيتشيون (Cheonggyecheon)، في موقعٍ مثالي لختم جولةٍ سياحية في العاصمة بصحنٍ ساخن من التشويوتانغ. مزيجٌ مثاليّ من ماضي سيول وحاضرها.
إيونهو سيكدانغ (Eunho Sikdang) | 1937
خلف واجهةٍ متواضعة في حيّ جونغ-غو (Jung-gu)، تستقرّ وصفةٌ شهيرة عمرها 78 عاماً لطبق “غوري غومتانغ” (ggori gomtang) أو حساء ذيل الثور. افتُتح المطعم لأوّل مرّة عام 1937 كبسطةٍ بسيطة في شارع نامديمون (Namdaemun)، وقدّم إيونهو سيكدانغ (Eunho Sikdang) هذا الطبق الكوريّ الكلاسيكي عبر ثلاثة أجيال. ولم يخلُ المطعم المتواضع من نصيبه من الشهرة، إذ ظهر على قناتَي SBS وMBC الكوريّتَين الكبيرتَين.
لمن لا يعرف الطبق بعد، فإنّ “غوري غومتانغ” نقطة بدايةٍ ممتازة لدخول عالم المطبخ الكوريّ إن لم تكن قد تجاوزت بعدُ الشواء الكوريّ أو البيبيمباب (bibimbap). والطبق عبارة عن مرقٍ ثقيل يُحضَّر بطهي ذيول الثور على نارٍ هادئة، يُقدَّم مع المعكرونة وحصّةٍ وافرة من الأرز، وبالطبع: الكيمتشي (kimchi). وإلى جانب حساء ذيل الثور، يقدّم إيونهو سيكدانغ أيضاً “دوغانيتانغ” (doganitang) أي يخنة ركبة الثور ولحم البقر، و”سيولّيونغتانغ” (seolleongtang) أي حساء عظام البقر، و”سويوك” (suyuk) أي لحم الخنزير المطهو بالبخار.
غومبو تشوتانغ (Gombo Chutang / 곰보추탕) | 1933 (مغلق)
افتُتح غومبو تشوتانغ (Gombo Chutang) عام 1933، وقامت سمعته بالكامل على ثلاثة أصنافٍ فقط في قائمته: تشوتانغ (chutang)، و”دارو تشوتانغ” (ddaro chutang)، وسمك الطين المقلي. ونظراً للنجاح طويل الأمد للمطعم، فإنّ تفوّق أطباقه القليلة يفرض نفسه من تلقاء ذاته.
والفرق الوحيد بين تشوتانغ ودارو تشوتانغ هو أنّ الأوّل يُقدَّم مع الأرز داخل الحساء، بينما يُقدَّم الثاني مع طبق أرزٍ منفصل. وللأسف، أُغلق المطعم بسبب إعادة تطوير المبنى وتدهور صحّة المالك.
جاي باي أوك (Jae Bae Ok) | 1933
حين علّق كيم هي-جون (Kim Hee-jun) عام 1933 لافتة مطعمه الجديد للسيولّيونغتانغ (حساء عظام البقر) في الزقاق الخلفي لمحطّة سيول، أطلق عليه اسم القرية المحيطة “جام-با-وي غول” (Jam-ba-wi Gol)، أو “قرية صخرة جام”، نسبةً إلى صخرةٍ ضخمة بلون البرقوق يُقال إنّها كانت موجودةً آنذاك.
وبعد سبعة عشر عاماً، حين اندلعت الحرب الكورية، فرّ كيم — كآخرين كثُر — من سيول إلى مناطق أكثر أماناً وانعزالاً. وحتى وهو لاجئ، استمرّ كيم في تقديم السيولّيونغتانغ من خيمةٍ مؤقّتة لأهالي سيول النازحين الذين كانوا يتوقون لمذاق الوطن. وبعد ثلاث سنواتٍ طويلة، حين انتهت الحرب، عاد إلى سيول وأقام مطعمه قرب نامديمون.
في عام 1974، ونتيجةً لمشاريع إعادة التطوير، انتقل المطعم إلى موقعه الحالي. وفي عام 1982، توفّي كيم هي-جون تاركاً مطعمه الحبيب لابنه كيم هيون-مين (Kim Hyeon-min)، ومن بعده لحفيده كيم كيونغ-باي (Kim Kyung-bae) وزوجة حفيده يون كيونغ-سوك (Yoon Kyung-sook). ورغم أنّ المطعم بدأ بتقديم السيولّيونغتانغ فقط، فإنّ قائمته توسّعت لتشمل دوغانيتانغ، وغوري غومتانغ، وسويوك، و”هايجانغ-غوك” (haejangguk).
مع أكثر من 80 عاماً من العمر، عاش جاي باي أوك أطول من القرية التي يحمل اسمها، وتجاوز دمار الحرب الكورية وموت الأجيال، لكنّ نكهة السيولّيونغتانغ فيه ظلّت كما هي دون تغيير.
تشيونغ جين أوك (Cheong Jin Ok) | 1937
افتُتح تشيونغ جين أوك (Cheong Jin Ok) لأوّل مرّة عام 1937، وبقي طوال الأجيال الثلاثة الأخيرة في يد العائلة نفسها، ويستمرّ في تقديم واحدٍ من أفضل أطباق “هايجونغ-غوك” (Haejungguk) أو حساء الكحول في سيول، على مدار 24 ساعة.
ورغم أنّ وصفة حساء الكحول تختلف من مطعمٍ لآخر، فإنّ أصحاب تشيونغ جين أوك تقليديّون يحشون طبقهم بـ “سونجي” (sunji) أي دم البقر المتجمّد، وكميّاتٍ وفيرة من الكِرشة (tripe)، وحصّةٍ كاملة من الأمعاء المتنوّعة.
يُقدَّم الحساء مع مرقٍ شهيٍّ من لحم البقر يقضي 24 ساعة كاملة على نارٍ هادئة أثناء التحضير. ورغم أنّ حساء الكحول قد لا يناسب أصحاب القلوب الضعيفة، فإنّه العلاج المثالي لمن وقعوا فريسةً لحبّهم الجديد للسوجو (soju).

ها دونغ كوان (Ha Dong Kwan) | 1939
قبل نحو عقدٍ من الزمن، أدارت كيم هي يونغ (Kim Hee Young)، مالكة مطعم ها دونغ كوان (Ha Dong Kwan)، ظهرها لعقودٍ من ذكريات تناول “غومتانغ” (gomtang) أي حساء عظام البقر والكِرشة، على طاولةٍ بالية في زقاقٍ خلفي لبيت “هانوك” (hanok) سيولي، ونقلت مطعمها إلى حيّ ميونغ-دونغ (Myeongdong).
كان ذلك في عام 2007، حين أشعل مشروع إعادة إحياء جدول تشونغ غيتشيون (Cheonggyecheon Stream) نهضةً في وسط سيول أدّت إلى هدم المباني المجاورة. غير أنّ غومتانغ ها دونغ كوان، الغنيّ بالتاريخ والمطهو بعنايةٍ على مدى 72 عاماً، لم يتغيّر قيد أنملة.

منذ افتتاحه، يُغلق ها دونغ كوان دائماً عند الساعة الرابعة عصراً. وذلك لأنّهم يطبخون قِدراً واحداً فقط من الحساء يومياً. قِدرٌ واحد بلا بقايا. وقد رعت كيم هي يونغ ذلك القِدر كلّ يومٍ على مدى 42 عاماً. وبسبب رفضها تسليم الغومتانغ لأيّ شخصٍ آخر، فاتها حضور حفلات زفاف ثلاثٍ من أخواتها، بل وحتى حفل تخرّج ابنتها الوحيدة من الجامعة.
ووفقاً لها، فإنّ سرّ غومتانغ المتقن ليس وصفةً مضمونة أو مكوّناتٍ سرّية، بل الاستعداد لممارسة التفاني المنضبط. والنتيجة طبق غومتانغ بلذّةٍ لا تُقاوم، سعى وراءه على مرّ السنين عددٌ لا يُحصى من المشاهير والشخصيات البارزة، بمن فيهم الرئيس الكوريّ الراحل بارك تشونغ-هي (Park Chung-hee).
قد يكون الغومتانغ والسيولّيونغتانغ ابنَي عمّ قريبَين، لكن بينهما فروقٌ واضحة. فالسيولّيونغتانغ يستخدم عظام البقر وصدره مكوّناتٍ أساسية، أمّا الغومتانغ فيجب أن يتضمّن أيضاً كِرشة البقر وأحشاءه. كذلك، عند تحضير الغومتانغ، تُغلى كلّ المكوّنات معاً، ثم يُحفظ اللحم والمرق منفصلَين حتى وقت التقديم، حيث يُغليان معاً مرّةً ثانية قبل التقديم.
وعن سؤال من سيتولّى المطعم في المستقبل، تقول كيم إنّها لن تسلّم قِدرها لأيّ كان. غير أنّ ابنتها الطيّبة الصبور تبدو المرشّحة المثالية لهذه المهمّة.
هان إيل كوان (Han Il Kwan) | 1939
افتُتح هان إيل كوان (Han Il Kwan) لأوّل مرّة عام 1939، وقد توسّع كثيراً خلال السنوات الـ76 الماضية. ويُقدّم المطعم الراقي ألذّ ما في المطبخ السيولي الكلاسيكي، وقد حظي باهتمام كثيرٍ من الرؤساء الكوريّين السابقين، من بينهم رئيس الجمهورية الأوّل لي سيونغ-مان (Rhee Syng-man)، وبارك تشونغ-هي (Park Chung-hee)، ولي ميونغ-باك (Lee Myung-bak)، ونو مو-هيون (Roh Moo-hyun). ومع ذلك، فالمطعم بعيدٌ عن النخبوية.
ووفقاً للنقّاد الطهويين، كان هان إيل كوان أوّل من شعّب الأطباق التي كانت في الأصل حكراً على البلاط الملكي الكوريّ، وذلك عبر ابتكار طريقةٍ لطهيها في وقتٍ قصير. ولا يزال المطعم حتى اليوم يقدّم تلك الأطباق الملكية التقليدية التي يدين لها بنجاحه.
تتضمّن قائمته الخالدة طبق “بولغوغي” (bulgogi) المميّز، و”تانغبيونغتشاي” (tangpyeongchae) أي شرائح جيلي فاصولياء المونغ مع تشكيلةٍ من الخضار، و”غوجيولبان” (gujeolpan) أي طبقٌ يضمّ تسعة أصنافٍ من الطعام على صحنٍ مقسّم خاص، و”ناكجي-بوكّوم” (nakji-bokkeum) أي الأخطبوط المقلي.
أوك تشون أوك (Ok Chun Ok)
قد يكون أوك تشون أوك (Ok Chun Ok) من أصغر الوجوه في قائمتنا، لكنّه يصمد بقوّة أمام عمالقة الساحة الذوّاقية العتيقين في سيول.
بأكثر من 70 عاماً بقليل من الخدمة، بدأ المطعم حياته قرب محطة سانغ-وانغ-سيمني (Sangwangsimni)، قبل أن ينتقل عام 2008 بسبب إعادة التطوير. وكوجهةٍ مفضّلة لدى أهل سيول، لم يبتعد أوك تشون أوك عن الأضواء، إذ ظهر في برامج تلفزيونية وصحفٍ محلّية. ويقدّم المطعم اليوم، المستقرّ في حيّ دونغديمون-غو (Dongdaemun-gu)، السيولّيونغتانغ والبولغوغي التقليديَّين.
والطبق الأبرز في القائمة هو سيولّيونغتانغ رأس البقر، لكن لا داعي للقلق، فعبارة “رأس البقر” تشير إلى المرق فقط، الذي ينبض بالحياة بعد ساعاتٍ من الطهي الهادئ تحضيراً له. والمرق الناتج يتمتّع بعمقٍ مذهل، ويشكّل ركيزةً شهيّة لهذا الطبق الكوريّ الكلاسيكي.
المصدر: 10mag



