تخيّل أن تسافر إلى الجهة المقابلة من العالم لتدخل مركزاً تجارياً وتتأمّل كتباً مصنوعة من الستايروفوم. هذا بالضبط ما يفعله آلاف الزوّار يومياً في مكتبة Starfield داخل مركز COEX Mall. إنّها مكتبة مزيّفة مليئة بكتب من الستايروفوم، مُصمَّمة لالتقاط الصور أكثر منها للقراءة.
هذا التناقض السخيف يُلخّص تماماً السبب الذي يجعل قطاعاً واسعاً من السياحة الكورية يبدو منفصلاً عن الواقع. فالحكومة ووسائل الإعلام تروّج باستمرار للأماكن ذاتها التي يُسوَّق لها بكثافة، غير أنّ المسافرين يصلون ليكتشفوا أنّ كثيراً من هذه الأماكن تفتقد إلى الروح.
وَهم البِرَك الفريدة
أُسمّي هذه الظاهرة “مشكلة السمكة في مقابل البطّة”.
المُروّجون السياحيون المحلّيون هم السمك. لقد كبروا في البركة ذاتها، ويظنّون أنّ ماءهم فريد من نوعه، لكنّهم يفتقرون إلى المنظور الذي يُحدّد لهم ما الذي يجعله مُميّزاً فعلاً. هم بالكاد يدركون أنّهم في الماء أصلاً.
أمّا السيّاح فهم البطّ. يطيرون من بِركة إلى أخرى حول العالم، ويلتقطون بسهولة ما هو مميّز فعلاً، وهو الأمر ذاته الذي يتجاهله السمك أو يعتبره أمراً مفروغاً منه.
السمك يرفض النظر خارج بِركته. ولأنّه لا يفهم البطّ أو يرفض فهمه، يستمرّ في تجاهل الجاذبية الحقيقية لبِركته، ويختار صناعة مظاهر زائفة بناءً على تصوّراته النمطية عمّا قد يُعجب البطّ.
الفخاخ المُصطنعة وكتب الستايروفوم
بسبب عقلية السمكة هذه، تنتهي كوريا بأماكن مثل Petite France.
لماذا قد يسافر أحدهم إلى آسيا لرؤية قرية فرنسية مزيّفة؟
تبدو هذه الأماكن أكثر منطقية حين تدرك أنّها في الغالب بُنيت لإشباع فانتازيا محلّية لا لِخدمة الفضول الدولي. فإذا أردت أن تتذوّق طعم أوروبا، فستحجز تذكرة إلى أوروبا، لا أن تأخذ حافلة إلى غابيونغ.
ثم هناك جزيرة نامي (Nami Island)، التي باتت تبدو أقلّ كوجهة سياحية وأشبه بموقع تصوير تلفزيوني نسي أصحابه تفكيكه. مليئة بأناس يركبون درّاجات هوائية ثنائية بشكل مُحرج، وتعتمد المنطقة بأكملها على ضجّة دراما تلفزيونية يعود تاريخها إلى عقود مضت. وكثيراً ما يُغادر الزوّار للمرّة الأولى وهم يحكّون رؤوسهم متسائلين: هل فاتتنا النكتة؟
أحياء التسوّق ليست أفضل حالاً. إذ بات حيّ ميونغ دونغ (Myeongdong) يبدو أقلّ كحيّ شعبي وأشبه بمنطقة معالجة سياحية. هو متاهة باهظة الثمن من أكشاك الطعام التي تزدهر على التوسّط في الجودة والقفز على ترندات تيك توك.
هل أنت فعلاً تعيش ثقافة حقيقية هناك؟
حتّى الأسواق التاريخية الأصيلة وقعت في الفخّ. فسوق غوانغجانغ (Gwangjang) يُقدّم طعاماً رائعاً، لكنّه تحوّل إلى ساحة تدافع سياحية مكتظّة. المشكلة ليست في الشعبية، بل في الازدحام المُكثّف. الجميع يُحشَر في المناطق ذاتها، فيما تبقى أجزاء أخرى من السوق خاوية. سترى طوابير تمتدّ لأميال أمام كُشك نودلز واحد لمجرّد أنّ صاحبته ظهرت في التلفزيون. والحقيقة أنّ كلّ بقيّة الباعة في السوق يُقدّمون النودلز ذاتها تماماً.
(وبصراحة، فإنّ مندي اللحم لديها يُشبه طعم نشارة الخشب.)
إلى أين يرغب البطّ فعلاً بالذهاب
لا يرغب المسافرون في فرص تصوير مُصطنعة، بل يبحثون عن الواقع الخام الصادق للبلد الذي يزورونه.
بدلاً من خوض معركة الحشود من أجل طعام شارع مُبالَغ في سعره في ميونغ دونغ، توجّه شرقاً إلى سوق دونغميو للسلع المستعملة (Dongmyo Flea Market). إنّها منطقة مُمتدّة تجمع بين فردوس الأشياء القديمة ومتحف حيّ. ستجد فيها جاكيتات جلدية من ثمانينيات القرن الماضي بجوار اسطوانات قديمة وأكوام من الملابس الكلاسيكية. لن تعرف أبداً ما الذي ستعثر عليه. والأهمّ من ذلك، أنّ المكان لا يزال يحمل روحاً حقيقية.
وإذا كنت تبحث عن تاريخ حقيقي وأهمّية ثقافية، تجاوَز القرى الأوروبية المُصطنعة وتوجّه إلى جزيرة غانغوا (Ganghwa Island)، فهي تتفوّق بمراحل على الجزر المُصنّعة. ستعيش تاريخاً أصيلاً وستتذوّق طعاماً محلّياً مذهلاً، بل يمكنك حتّى أن تلتقط لمحات من كوريا الشمالية عبر الماء. ولن ترى أيّاً من تلك الدرّاجات المُحرجة المُخصّصة للسيلفي.
وبدلاً من كتب الستايروفوم في COEX، توجّه إلى KOTE في حيّ إنسا دونغ (Insa-dong). فهو يقع في مبنى تاريخي، ويحتوي على كتب حقيقية ومقهى وروح محلّية أصيلة. استكشف معارض الفنّ وانعم بالأجواء بعيداً عن تجربة المركز التجاري المُعقَّمة.
وللحصول على تجربة السوق الحقيقية، تجاوَز الطوابير الضخمة في غوانغجانغ، واستقلّ المترو إلى سوق مانغوون (Mangwon Market). سترى السكّان المحلّيين يشترون مكوّنات العشاء بدلاً من زوّار يُصوّرون مقاطع تيك توك فوق التوكبوكي الذائب. ويمكنك تناول دجاج مقلي مُقرمش بشكل لا يُصدَّق دون الحاجة إلى المنافسة بِالمرافق للحصول على مقعد.
الإفلات من فقّاعة التسويق
تمتلك كوريا ثقافة هائلة وآسرة. الطعام مذهل، والأحياء مُسلّية بطريقة غريبة. لكنّك لن تختبر أيّاً من ذلك إذا تمسّكت بالأماكن المُعقَّمة التي تروّج لها هيئات السياحة.
الروح الحقيقية لكوريا لا تُوجد في مكتبة مزيّفة أو حديقة ترفيهية مُنسَّقة بعناية. إنّها تعيش في الأسواق المحلّية، وبيوت الشاي القديمة المُتهالكة، والمطاعم العشوائية في الأحياء التي تُقدّم يخنات شعبية تقليدية. ابتعد عن المسارات المُسوَّق لها بكثافة، وثِق بأهل المكان الذين يُعدّون لك طعامك، ودَع البلد الحقيقي يكشف عن نفسه. فأجمل ما في كوريا يكمن عادةً في الأماكن التي لا تزال مشغولة بعيش حياتها أكثر من اللازم لتُسوّق لنفسها كما يجب.
المصدر: zenkimchi
