
كانت الحياة في مناجم الذهب الغربية في شمال كوريا خطرة بمختلف صورها، سواء داخل المناجم أو خارجها، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. كانت هذه المناجم الكورية تقع عموماً في مناطق جبلية قليلة السكان، وكانت الموطن المفضّل للقطط الكبرى في كوريا، أي النمور السيبيرية والفهود.
كانت هجمات النمور، وبدرجة أقل الفهود، شائعة في كوريا إلى درجة جعلت إحدى الصحف الأمريكية تنشر في عام 1889 الخبر التالي:
“يختفي عدد كبير من الأشخاص سنوياً في كوريا بسبب هجمات النمور، إلى درجة أن المدينين العاجزين والمتهرّبين يستغلّون هذه القرينة المعتمدة في حالة فقدان أي شخص، فيتركون ملابسهم الممزّقة عند طرف غابة ما، ويفرّون سراً. وقد أصبحت عبارة ‘افترسه نمر’ في كوريا تعادل في معناها العبارة الأمريكية ‘فرّ إلى كندا’.”
هناك حكايات كثيرة عن مواجهات بين عمال المناجم الغربيين وهذه الحيوانات المفترسة. تتذكّر جاستن تويد (Justine Tweed)، المولودة في امتياز مناجم الذهب الفرنسي قرب نهر يالو (Yalu River) في ثلاثينيات القرن العشرين، أن والدها غاي ب. بويدل (Guy B. Boydell) كاد أن يلقى حتفه بهذه الطريقة. كان ذلك في عام 1914، في ليلة شديدة البرد، حين كان بويدل يجرّ قدميه في الثلج العميق متوجّهاً إلى مسكنه، حين شعر فجأة بأنه لم يعد وحيداً.
“توقّع نوعاً ما أن يحس بربتة يد [عامل] على كتفه، طالباً مساعدة مالية، ربما لزوجة مريضة أو طفل عليل، لكن صوت التنفس البطيء والقوي حذّره من أن الأمر ليس اعتراضاً بشرياً، بل شيئاً أكثر خطورة بكثير. سرّع خطواته، وفي الوقت ذاته أرجح فانوسه إلى الخلف. لم يجرؤ على الجري. وأخيراً، [وصل] إلى المنعطف الأخير في الدرب، وأمامه شعاع ضوء من قاعة الطعام [يناديه] كمنارة ترحيبية.”
شقّ بويدل طريقه بسرعة نحو المبنى، وفي صباح اليوم التالي نظّم فرقة بحث. وقد عثروا على النمر السيبيري الكبير وهو يستلقي تحت أشعة الشمس على صخرة كبيرة. وبطلقة واحدة، قتل بويدل النمر. وكما يظهر في الصورة، نُقلت الجثة إلى المخيم على زلاجة، وقد تجمّدت في وضعية وقوف.
كان بويدل محظوظاً بما يكفي ليصل إلى ملاذه الآمن قبل أن يهاجمه النمر، لكن عمال مناجم كثيرين لم يكونوا كذلك. ففي المنطقة نفسها، وقبل بضع سنوات، اكتشف الحرس اليابانيون في أحد المناجم “عظاماً طازجة لثلاثة مسافرين كوريين” قتلوا على يد نمر. وقد أبلغوا عن رؤية خمسة نمور تتربّص في المنطقة.
في الثلاثينيات، روى جون بلين (John Blain)، ابن عامل مناجم في مناجم الذهب الأمريكية في أونسان (Unsan)، أن عمليات البحث كانت تُنظَّم “في مناسبات عدة حين يصل خبر بأن أحد العمال العائدين إلى البيت بعد العمل من المنجم لم يصل بعد”.
“كانوا [أعضاء فرق البحث] يخرجون للبحث عنه، فيجدون فقط بقعة على الدرب حدثت فيها معركة، وأذكر في إحدى المرات أن كل ما عثروا عليه كان يداً. في هذه الحالات كانوا يتعرّضون لهجوم من قبل النمور. وعلى الأرجح كانت نموراً قد تقدّمت في السن ولم تعد قادرة على اصطياد الفرائس، فأفضل ما يمكنها افتراسه كان رجلاً يعود إلى البيت ليلاً…”
ولعلّ من أبرز الصيادين في مناجم الذهب الأمريكي فرانك أ. سميث (Frank A. Smith). وقد ادّعى سميث أنه قتل أكثر من 25 نمراً، وأنه عمل دليلاً لكيرميت روزفلت (Kermit Roosevelt) (نجل الرئيس ثيودور روزفلت) خلال رحلة الصيد التي قام بها في كوريا في عشرينيات القرن العشرين.
ونتيجة الصيد المكثّف، اختفت النمور من معظم مناطق كوريا بحلول منتصف الثلاثينيات. ورغم استمرار الشائعات بأن النمور لا تزال تجوب المنطقة منزوعة السلاح (DMZ) أو سفوح جبل بايكتو (Mount Paekdu)، فإن النمور الوحيدة المتبقية في كوريا اليوم على الأرجح هي تلك الموجودة في حدائق الحيوان، أو في قلوب وذاكرة كبار السن.
—–
روبرت نيف (Robert Neff) مؤلّف أو مشارك في تأليف عدة كتب من بينها Korea Through Western Eyes وThe Lives of Westerners in Joseon Korea. ويكتب حالياً عموداً مرّتين أسبوعياً في صحيفة Korea Times بعنوان “Did you know?” إضافة إلى عمود تاريخي مرّتين شهرياً في Jeju Weekly.
المصدر: 10mag



