يُصنَّف ماء الصنبور الكوري رسمياً ضمن الأجود على مستوى العالم، ومع ذلك يرفض معظم السكان المحليين شربه مباشرة من الحنفية. هذه الفجوة بين التصنيفات الرسمية للسلامة وبين السلوك الفعلي للجمهور تمثّل واحدة من أكثر المفارقات الثقافية إثارة للاهتمام في كوريا. وتحاول الأبحاث الحديثة والمبادرات الحكومية ردم هذه الهوة، لكن التصورات المتجذّرة لا تزال راسخة لدى المقيمين الكوريين.
سلامة ماء الصنبور الكوري: ماذا تكشف الأبحاث؟
ماء الصنبور في كوريا آمن تماماً للشرب. تؤكّد مؤسسة كوريا لموارد المياه (Korea Water Resources Corporation) ومصادر علمية أخرى أن ماء الصنبور في كوريا الجنوبية يستوفي معايير السلامة الدولية أو يتجاوزها. ويخضع ماء صنبور سيول، المعروف باسم “أريسو” (Arisu) – نسبةً إلى الاسم القديم لنهر الهان – لعمليات اختبار دقيقة جداً تقيّم 350 معياراً، وهو رقم يفوق بشكل ملحوظ توصية منظمة الصحة العالمية البالغة 166 فئة. وقد أظهر تقرير صدر عام 2013 عن المعهد الوطني للبحوث البيئية (NIER) أن خطر نموّ البكتيريا كان في الواقع أدنى ما يكون في ماء الصنبور مقارنةً بالماء المعالَج عبر مرشّحات منزلية أو الماء في القناني المفتوحة.
وإلى جانب اعتبارات السلامة، تُظهر الأبحاث أن ماء الصنبور في كوريا مفيد غذائياً. إذ يحتوي ماء أريسو في سيول على نسبة معادن صحية تبلغ 37.6 ملغ/لتر، وهو ما يضاهي مياه الينابيع المعبّأة. في المقابل، الماء المعالَج (المُنقّى) خالٍ تقريباً من المعادن، فيُجرَّد من عناصر غذائية يحتمل أن تكون مفيدة.
لماذا يتجنّب معظم الكوريين شرب ماء الصنبور؟
رغم أن كوريا الجنوبية تمتلك واحداً من أعلى مستويات جودة ماء الصنبور في العالم، لا يزال كثير من الكوريين المحليين يرفضون شربه. في استطلاع شمل نحو 12,000 شخص أجرته وزارة البيئة عام 2013، أفاد 10% فقط من المشاركين بأنهم يشربون الماء مباشرة من الصنبور. وقال نحو 55% منهم إنهم يشربون ماء الصنبور فقط بعد غليه.
ومع ذلك، يمتنع الكوريون عن شرب ماء الصنبور خوفاً على صحتهم وسلامتهم – وهو انعدام ثقة يعتقد كثيرون أنه يعود إلى أزمة مائية وطنية حصلت قبل نحو 35 عاماً. ففي عام 1991، تسرّبت 30 طناً من مادة الفينول المركّزة (وهي مادة كيميائية شديدة السمّية تُستخدم في تصنيع لوحات الدوائر الإلكترونية) من شركة لتصنيع الإلكترونيات في غومي (Gumi)، فتلوّث نهر الناك-دونغ (Nakdong River) ومن ثم تلوّثت إمدادات المياه لسكان مدينة دايغو (Daegu). وقد أدّى ذلك إلى انبعاث روائح نفّاذة من ماء الصنبور في المنطقة، وإصابة من شربوه بصداع شديد وقيء.
الخطوات المقبلة لسيول بشأن ماء الصنبور الكوري
تعمل حكومة سيول الحضرية بنشاط على تحسين جودة ماء الصنبور والتصوّر العام عنه. ففي يونيو 2023، أعلنت عن خطط لإنفاق 4.32 تريليون وون (3.28 مليار دولار) بحلول عام 2040 لتحسين جودة ماء الصنبور من خلال مبادرة “أريسو 2.0” (Arisu 2.0).
وفي حين تواصل الحكومة ضخّ استثمارات كبيرة لتحسين البنية التحتية وجودة المياه، يفضّل معظم الكوريين حتى الآن غلي ماء الصنبور، أو استخدام أجهزة تنقية المياه، أو شراء المياه المعبّأة. أما زوّار كوريا فيمكنهم شرب ماء الصنبور بثقة، وإن كانوا قد يتلقّون نظرات استغراب من السكان المحليين حين يفعلون ذلك.
وبالنسبة للمقيمين في كوريا لفترات طويلة، يبقى اتباع العادات المحلية في استهلاك المياه خياراً شخصياً، لكن من ناحية السلامة فإن ماء الصنبور الكوري يستوفي أعلى المعايير الدولية.
المصدر: 10mag
