في أعقاب حركة #MeToo وحملة حكومية لمكافحة التصوير الخفي، وجّهت كوريا انتباهها نحو آلاف حالات الاعتداء والتحرّش الجنسي التي تمرّ دون رصد. وقد وقع جزء من تلك الاعتداءات في أهمّ منظومة نقل عام في سيول، ألا وهي المترو.
سبق أن جرّب مترو سيول ومؤسسة النقل السريع الحضري في سيول عربات مخصّصة للنساء مرتين، لكنهما تراجعا بسبب ردود الفعل المعارِضة. فبعد الإطلاق، اتُّهما بالترويج للتمييز ضد الرجال وبتحميل الضحايا من النساء المسؤولية.
وفي عام 2016، أعطت مؤسسة النقل في بوسان (Busan) العربات المخصّصة للنساء فرصةً أخرى، فألصقت لافتات وردية في أنحاء محطات بوسان. ولا تزال هذه اللافتات موجودة، لكن مدى فعالية العربات المخصّصة للنساء غير معروف. كما أنه من غير الواضح ما إذا كان مترو سيول سيجرّبها مجددًا في عاصمة النقل العام الكورية.
ألقينا نظرةً أقرب على أسئلة «ماذا» و«أين» و«لمَ لا» المحيطة بالعربات المخصّصة للنساء، وتحدّثنا إلى إحدى سكّان بوسان للاطّلاع عن كثب على معركة مكافحة العنف الجنسي.
لماذا الحاجة إلى عربات مخصّصة للنساء؟
في عام 2017، أُبلِغ عن 1,094 جريمة اعتداء جنسي في مترو سيول، بزيادة قدرها 30% عن العامين السابقين. وقد تعرّضت هؤلاء النساء لسلوكيات مزعجة، منها التحديق المُقلق، وشمّ شعورهنّ، ولمس أجسادهنّ بشكل غير لائق، والإساءة اللفظية، والإساءة الجسدية، وتعقّبهنّ بعد مغادرة المترو.
وفي العام الماضي اكتسبت حركة #MeToo زخمًا متسارعًا، إلى جانب احتجاجات تكشف استخدام كاميرات التصوير الخفي. وردّت كوريا بطرق عدة، منها استحداث مواقف سيارات ذات أولوية للنساء أقرب إلى مراكز التسوّق، و«أجهزة كشف الصراخ» في دورات المياه العامة، ومناطق مشبعة بكاميرات المراقبة على أرصفة المترو، وتطبيق يُسمّى «지하철안전지킴이» (حارس سلامة المترو) يتيح للركّاب الإبلاغ عن الاعتداءات و/أو التحرّش. كما وضعت ملصقات تحمل تحذيرات وأرقام اتصال للطوارئ.
غير أنه لم يُقَل شيء عن عودة العربات الوردية في سيول.
هل العربات المخصّصة للنساء فعّالة؟
السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت عربات المترو ستثبت نجاحها، رغم الجولة الثانية من سحبها. أما في بوسان، فلا تزال الآراء المتباينة تُبقي السكان منقسمين حيال هذه العربات، لكن بعض النساء يبدين امتنانهنّ لاستحداثها.
عبّرت كيم تشاي-يون (Kim Chae-yun)، وهي طالبة جامعية تدرس في بوسان، عن أن عربات المترو تمنحها راحة البال اللازمة للتنقّل بأمان. وقالت كيم لموقع 10 Magazine: «أشعر بالراحة. فعندما أجلس [في العربات العادية] أشعر دائمًا أنني مضطرّة إلى ملامسة جسد رجل دون داعٍ. أما حين أكون في العربة المخصّصة للنساء فهناك مساحة أكبر ولا أُضطرّ إلى ملامسة أحد».
«لقد رأيت نساءً كثيرات يستخدمنها. أعتقد أن الشابّات يفضّلن ركوبها».
وفي حين يلتزم الشبّان على ما يبدو بالأوقات المحدّدة لركوب النساء هذه العربات، فإن بعضهم ليس منفتحًا على الفكرة بالقدر نفسه. وقالت كيم: «عندما يدرك الرجال أنهم في عربة النساء ينتقلون إلى عربة أخرى. لكن بعض الرجال ممن تجاوزوا الأربعين لا يأبهون بذلك إطلاقًا».
ردود الفعل المعارِضة للعربات المخصّصة للنساء؟
رغم ارتفاع البلاغات عن الاعتداءات الجنسية، لا تزال العربات المخصّصة للنساء حكرًا على بوسان. وقد ظلّت هذه العربات الوردية موضع تدقيق منذ استحداثها في 2016، خصوصًا لأنها لا تستهدف جذر المشكلة عبر حملة قائمة على القانون والتثقيف.
وقالت لي سيون-مي (Lee Seon-mi) من مركز كوريا للإغاثة من العنف الجنسي: «نعتقد أن الفصل بين النساء والرجال لن يحلّ جوهر المشكلة. فلمعالجتها فعلًا، عليك أن تفهم الجرائم. والتثقيف العام أكثر أهمية».
وقد أبدت نساء كوريات مخاوف من أن تخصيص مساحة للنساء سيؤدّي إلى تحميل اللوم لمن لم يكنّ في العربة وقت تعرّضهنّ للاعتداء.
وقالت إحدى مستخدمات الإنترنت، عبر The Korea Bizwire: «قد يجعل ذلك الناس يسيئون الفهم فيظنّون أن النساء اللواتي لا يركبن العربات المخصّصة لا يمانعن التحرّش الجنسي. وإذا حدث هذا التحرّش، فقد تنشأ مواقف تُحمَّل فيها النساء اللوم لعدم استخدامهنّ العربات المخصّصة».
من ناحية أخرى، بدأ الرجال أيضًا يخشون اتّهامهم ظلمًا بالاعتداء على النساء، خصوصًا وسط زحام ساعة الذروة في سيول. ومع ذلك، لم تتمكّن العربات من تبديد هذه المخاوف إذ تطغى عليها هواجس من أنها تغذّي تمييزًا عكسيًا ضدّ الركّاب الرجال.
هل ينبغي لسيول تطبيق العربات المخصّصة للنساء؟
في محاولاتها السابقة، جرّبت سيول عددًا من المقاربات المتنوّعة لإنجاح المناطق المخصّصة للنساء. فقد غيّر مترو سيول الوقت المحدّد، من ساعات الذروة المعتادة إلى عربة المترو الأخيرة في اليوم فقط. كما غيّر الاسم من عربات «مخصّصة للنساء» إلى عربات «سلامة النساء» في محاولته عام 2011. ومع ذلك، ظلّ الانتقاد على حاله.
غير أن عام 2019 عالم جديد لحركة النسوية الكورية التي، رغم عدم شعبيّتها، سلّطت الضوء على معاناة النساء في كوريا. وبالنظر إلى الحملة الحكومية على قضايا التصوير الخفي، نتساءل في هذا السياق الجديد عمّا إذا كانت العربات ستحظى بدعم أوسع إن أُعيد العمل بها الآن، أم ستواجه ردّ الفعل العدائي نفسه.
المصدر: 10mag