الثقافة الأسياوية

الحياة في وونجو قبل قرن من الزمان: شهادة عائلة مبشّر أمريكي

كانت الحياة في كوريا خلال أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين شاقة، جسدياً وعاطفياً وروحياً، وخطرة في كثير من الأحيان. في تلك الحقبة، عاش معظم الغربيين في سيول وبيونغ يانغ وتشيمولبو (Chemulpo) (إنتشون حالياً) وفوسان (Fusan) (بوسان حالياً)، أو في امتيازات مناجم الذهب في شمال كوريا، وكانوا يحظون بحياة آمنة ومريحة نسبياً. أما المنتشرون هنا وهناك في الأرياف، فكانوا من المبشّرين وعائلاتهم، وكانت حياتهم مرهقة وخطرة في الغالب. هذه هي قصة الحياة في وونجو (Wonju) قبل قرن من الزمان.

Life in Wonju a Century Ago
عائلة موريس (Morris) في وونجو عام 1918 (بإذن من جان لويس داونينغ – Jan Lewis Downing)

أحد هؤلاء المبشّرين كان تشارلز موريس (Charles Morris)، وهو مبشّر ميثودي، انتقلت زوجته لويز (Louise) وابنتاه الصغيرتان إلى وونجو عام 1916. افتُتحت الإرسالية الميثودية في وونجو لأول مرة عام 1905، وأُسّس المستشفى الميثودي السويدي (Swedish Methodist Hospital) عام 1913. كانت هذه منطقة معزولة وموحشة، لم يعش فيها سوى حفنة من الغربيين، من ممرّضات المستشفى والقساوسة الكاثوليك.

كانت الظروف في وونجو بدائية، فكان أول ما فعلته عائلة موريس بناء منزل من الطوب يضم ثلاث غرف نوم كبيرة، مع قبو واسع وعلية. حتى أن المنزل احتوى على شبكة سباكة، وهي رفاهية لم يكن يسمع بها في الريف، كما تروي موريل موريس (Muriel Morris)، أصغر ابنتي تشارلز:

“كان لدينا بئر تحت المنزل، وكانت الأنابيب ترتفع إلى الطابق الثالث حيث الحمام، وكانت هناك مضخّة فوق البئر، وكان العامل (Coolie) ينزل إلى هناك ويضخّ ويضخّ إلى أن يرسل ما يكفي من الماء إلى الطابق الثالث ليكفينا طوال اليوم، أو لحمام خاص.”

لكن لسوء الحظ، لم يكن النظام يعمل بكفاءة، فكانت العائلة تكتفي بالاستحمام في حوض صغير في المطبخ، يُحمَل الماء إليه يدوياً.

Life in Wonju a Century Ago
بإذن من جان لويس داونينغ

كان من مساوئ امتلاك منزل حديث وكبير في مدينة من “الأكواخ الطينية الصغيرة” أن الجميع يريد رؤيته. كان الغرباء يظهرون فجأة معلنين أنهم “جاؤوا للتنزّه ومشاهدة المعالم”، وكان يُسمح لهم عادة بالدخول. تتذكّر موريل: “كان هناك رجل عجوز، يرتدي ملابس فاخرة، ومعه غليون الخيزران الطويل، وعباءته الطويلة، وشعره معقود في عقدة صغيرة فوق رأسه، يعلوها قبعة قش صغيرة. حين رأى نفسه في المرآة، توقّف وقال: ‘يا له من رجل وسيم! من هذا؟’. وحين أخبرناه أنه ينظر إلى نفسه، أُصيب بصدمة حقيقية. فلم يكن قد رأى مرآة في حياته.”

وكان للحياة هناك جانب مظلم؛ فقد كان المنزل محاطاً بمدافن الموتى، ويُشاع عنه أنه مسكون بالأشباح.

“كان الكوريون يخافون فعلاً من القدوم إلى ساحتنا ليلاً، لأنهم كانوا يعتقدون أنها مسكونة، إذ كانت في السابق مقبرة. وفي إحدى الليالي، كانت مجموعة من الشبان يحتفلون في المدينة ويشربون، فتحدّوا أحدهم أن يصعد ويُثبّت وتداً في الأرض ليُطلق الشياطين. ففعل. وحين حاول المغادرة، لم يستطع التحرّك، شيء ما كان يمسكه. أُغمي عليه من شدّة الخوف. وفي صباح اليوم التالي، حين صعد أصدقاؤه ليروا ما حدث له، وجدوه ممدّداً على الأرض. لقد كان قد دقّ الوتد عبر معطفه الطويل.”

كذلك جذبت مدافن الموتى انتباه الجنود اليابانيين المتمركزين في وونجو، فاتخذوها ساحة لتدريباتهم القتالية الوهمية.

“كان الجنود يتلصّصون على بعضهم البعض من فوق المدافن، ويُطلقون صرخات تُجمّد الدم في العروق، ثم يندفعون نحو بعضهم البعض. كطفلة، كنت مرعوبة تماماً. ولسنوات، وحتى وقت زواجي في الواقع، كان يراودني كابوس متكرّر أركض فيه وأركض وأركض، واليابانيون يطاردونني، ولم أستطع الإفلات.”

ولم تكن صرخات الجنود اليابانيين الشيء الوحيد الذي كان يسبّب الكوابيس لموريل.

بإذن من جان لويس داونينغ

“أتذكّر كطفلة أنني كنت أخاف كثيراً. كان هناك الكثير من الأمور المخيفة، مثل صوت الساحرة وهي تدقّ طبلها وتصرخ لإبعاد الشياطين عن شخص مريض، والمتسوّلين الذين كانوا يجوبون الأرياف، خاصة المصابين منهم بالجذام، الذين تنقصهم الأصابع وأصابع القدم، والذين كانوا يجلسون على شرفتنا ويطالبون بالطعام، والثيران التي تجرّ العربات وتُجَنّ أحياناً فتنفلت وتركض في الطريق وهي تخور، والكلاب الكورية شبه الجائعة التي لم تكن تنال أي حنان، فكانت شرسة ومخيفة، والمجانين الذين كانوا يتجوّلون بلا مأوى، أو يُوضعون في أقفاص في فناء عائلاتهم.”

كانت المخاوف وأوصاف قذارة المجتمع، من مياه الصرف الصحي المكشوفة وروائح الفضلات البشرية التي كانت تُستخدم لتسميد حقول الأرز، تطغى على ذكريات موريل عن الحياة في وونجو. لكن لم يكن كل شيء سيئاً، خاصة عيد الميلاد، الذي كانت تجده وقتاً مثيراً، وكأنه يمحو كل المشاق التي اختبرتها طوال السنة.

“كانت لدينا دائماً شجرة عيد ميلاد كبيرة مزيّنة بسلاسل الورق والفشار والشموع الحقيقية في حاملات معدنية صغيرة. كانت رائحتها رائعة وكانت مذهلة. كنا نعلّق جواربنا أمام المدفأة. كنا نذهب إلى الفراش ونحن متحمّسون في الليل، وفي صباح اليوم التالي، نحو الساعة الرابعة، بمجرد أن يبدأ الضوء بالتسلّل، كانت توقظنا أصوات تغنّي تحت نوافذنا. كانوا الملائكة يغنّون. أتذكّر أنني كنت أنهض من السرير وأركض إلى النافذة وأنا أرتعد من البرد، لأرى الكوريين من الكنيسة وقد جاؤوا للاحتفال بصباح عيد الميلاد.”

قضى القس موريس بقية حياته في وونجو يعيش بين الناس الذين جاء لمساعدتهم وأحبّهم. أما ابنته موريل، فقد أصبحت معلمة في امتياز مناجم الذهب الأمريكية في شمال كوريا، وتزوّجت من عامل منجم أمريكي، وبقيا في كوريا حتى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين. ولا يزال اهتمام عائلة موريس بكوريا حياً من خلال ابنة موريل، جان لويس داونينغ (Jan Lewis Downing)، التي تعيش في الولايات المتحدة، والتي تكرّمت بإتاحة الوصول إلى صور عائلتها ومذكّراتها.

الصور بإذن من جان لويس داونينغ

المصدر: 10mag

عبد الرحمن ناصر

عبد الرحمن البالغ من العمر 21 سنة مهتم بتصميم و تطوير المواقع و أيضا مهتم بالبرمجة و الحماية و أيضا له أهتمام كبير بكوريا و بثقافتها ويتمنى أن يزرها يوما ما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى