الصور من مجموعة روبرت نيف (Robert Neff)
قبل ظهور عجائب الكمبيوتر وخدمة البريد الإلكتروني، والهاتف الذكي وبرنامج كاكاو (Kakao)، كان البريد التقليدي البطيء (Snail Mail) هو الوسيلة الاقتصادية الوحيدة للأجانب في كوريا للبقاء على تواصل مع عائلاتهم في أوطانهم: خدمة البريد. والبريد البطيء، كما يوحي اسمه، كان بطيئاً فعلاً، وكثيراً ما كانت الرسائل تستغرق أسبوعاً أو أكثر للوصول من وإلى الولايات المتحدة. لكن إن بدا ذلك سيئاً، فتخيّل كيف كانت الحال في عصر جوسون (Joseon).
خدمة البريد في كوريا
كانت أوّل خدمات بريدية حديثة في كوريا تُدار من قبل اليابانيين، وتقع في الموانئ المفتوحة. ففي سيول، كان البريد يُسلَّم إلى مكتب البريد الياباني، ثم يأتي أمريكي ليجمعه وينقله إلى السفارة، حيث كان يُرفع علم معيّن لإعلام الأمريكيين بأن البريد قد وصل.
وفي بعض الأحيان كان البريد يُوضَع ببساطة في كيس ويُرسَل إلى كل بيت، حيث “كان كلّ شخص يأخذ نصيبه بنفسه”. وبالطبع، كان هذا النظام بعيداً عن الكمال، فكانت الرسائل والبطاقات البريدية تُفقد أحياناً. وفي أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، يُزعم أنّ أحد الأمريكيين الخبثاء كان يسحب رسائل المستشارين الأمريكيين الموجَّهة إلى الحكومة الكورية وينشر محتواها في صحف هونغ كونغ.
منذ وقت مبكّر يعود إلى عام 1884 (أي قبل أن تؤسّس كوريا خدمتها البريدية القصيرة العمر، التي لم تَدُم أكثر من ثلاثة أسابيع)، كانت هناك اتهامات بالعبث بالبريد وسرقته. وحتى السفارة الأمريكية لم تكن في مأمن من سرقة بريدها.
في ديسمبر/كانون الأول 1891، كتبت هيلين هيرد (Helen Heard)، ابنة أوغستين هيرد (Augustine Heard) الوزير الأمريكي المفوّض إلى كوريا، إلى أختها قائلة إنها تخشى كثيراً أن تقع رسالتها في الأيدي الخطأ، لأن “البريد قد سُرق عدة مرات بالفعل هذا الخريف”.
وفي عام 1895، اشتكت سالي سيل (Sallie Sill)، زوجة الوزير الأمريكي المفوّض إلى كوريا، هي الأخرى من سرقة الطرود. فأوضحت لابنها: “القمصان التي أرسلتَها لوالدك من يوكوهاما لم تصل إليه على الإطلاق، وأظنّ أن يابانياً أو كورياً ضخم البنية بشكل غير معتاد، يرتدي ملابس أجنبية، هو من ينتفع بها الآن”. وكان الوزير الأمريكي بحدّ ذاته رجلاً ضخم البنية.
وبسبب “الشكاوى المتواصلة من اختفاء الرسائل بشكل غير مفهوم، حتى المسجّلة منها” في مكتب البريد الياباني في سيول، لجأ كثير من الأمريكيين إلى تجميع بريدهم وإرساله عن طريق مراسل خاص إلى شركة “تاونسند آند كو” (Townsend & Co.) المملوكة لأمريكيين في جيمولبو (Jemulpo) — التي تُعرف اليوم باسم إنشيون (Incheon). كانت الكلفة أعلى قليلاً، لكنّ كثيرين رأوا أن المخاطر تستحقّ هذه الكلفة الإضافية. ولم يكن الأمريكيون وحدهم في ذلك، إذ فعلت سفارات أخرى الشيء نفسه.
في 23 يوليو/تموز 1895، أطلقت كوريا خدمة البريد المحلية الخاصة بها. كانت الرسائل تُجمَع وتُسلَّم في سيول في السابعة صباحاً والخامسة مساءً. أما البريد إلى جيمولبو (Jemulpo) فكان يُرسَل في التاسعة صباحاً ويصل في الخامسة من مساء اليوم نفسه. وقد قامت خدمة البريد الكورية بعملها بشكل جيد نسبياً، وسرعان ما امتدّت لتشمل مدينتَي سوون (Suwon) وسونغدو (Songdo) — المعروفة اليوم باسم كيسونغ (Kaesong) في كوريا الشمالية.
لكن، كأي جهاز بيروقراطي، كان الكادر فيها أكثر من اللازم. فقد كان هناك أربعة مستشارين يابانيين يتقاضون 100 و80 و60 و30 يناً شهرياً، واثنا عشر كوريّاً — لم يكونوا يوزّعون البريد — يتقاضون من 10 إلى 12 يناً، وثلاثة عشر ساعي بريد يتقاضى الواحد منهم 7 ينات. أما سعاة البريد إلى سونغدو وسوون فكانوا يتقاضون 15 يناً نظراً لطول المسافة التي يقطعونها سيراً على الأقدام.
كانت على عاتق سعاة البريد الكوريين مسؤوليات كبيرة. فالعبث بالبريد كان يكلّفهم غرامات هائلة، وجلداً علنياً (من عشر جلدات إلى مئة)، وعقوبات سجن تتراوح بين شهر وثلاث سنوات (وكانت السجون الكورية سيئة السمعة جداً). كما كان السعاة عرضةً لخطر اللصوص وأعمال العنف. فقد تعرّض عدد منهم للسرقة، وحتى للقتل. وفي إحدى المناطق، أغضب الحاكم المحلي السكّان إلى درجة أنهم قرّروا الانتقام من مكتب البريد فدمّروه. نجا مدير المكتب، لكنّ البريد لم ينجُ.
———-
روبرت نيف (Robert Neff) هو مؤلف أو مؤلف مشارك لعدة كتب، منها “Korea Through Western Eyes” و”The Lives of Westerners in Joseon Korea”. وهو يكتب حالياً عموداً صحفياً مرّتين في الأسبوع لصحيفة “كوريا تايمز” (Korea Times) بعنوان “هل تعلم؟”، فضلاً عن عمود تاريخي يصدر مرّتين شهرياً في “Jeju Weekly”.
================
إذا أعجبك هذا المقال عن خدمة البريد الكورية القديمة، فلا تفوّت قراءة: من التاريخ: حين كانت النمور تجوب مناجم كوريا.
المصدر: 10mag
